تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 8

مساهمون:

ص٨
المعنى : فإن أعرضت قريش والعرب الذين دعوتهم إلى اللّه عن هذه الآيات البينة ، فأعلمهم بأنك تحذرهم أن يصيبهم من العذاب الذي أصاب الأمم التي كذبت كما تكذب هي الآن . وقرأ جمهور الناس : « صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود » وقرأ النخعي وأبو عبد الرحمن وابن محيصن « صعقة مثل صعقة » ، فأما هذه القراءة الأخيرة فبينة المعنى ، لأن الصعقة : الهلاك يكون معها في الأحيان قطعة نار ، فشبهت هنا وقعة العذاب بها ، لأن عادا لم تعذب إلا بريح ، وإنما هذا تشبيه واستعارة ، وبالوقيعة فسر هنا « الصاعقة » ، قاله قتادة وغيره . وخص عادا وثمود بالذكر لوقوف قريش على بلادها في اليمن وفي الحجر في طريق الشام . وقوله :
مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ
أي قد تقدموا في الزمن واتصلت نذارتهم إلى أعمار عاد وثمود ، وبهذا الاتصال قامت الحجة . وقوله :
مِنْ خَلْفِهِمْ
أي جاءهم رسول بعد اكتمال أعمارهم وبعد تقدم وجودهم في الزمن ، فلذلك قال :
وَمِنْ خَلْفِهِمْ
وجاء من مجموع العبارة إقامة الحجة عليهم في أن الرسالة والنذارة عمّتهم خبرا ومباشرة ، ولا يتوجه أن يجعل
وَمِنْ خَلْفِهِمْ
عبارة عما أتى بعدهم في الزمن ، لأن ذلك لا يلحقهم منه تقصير ، وأما الطبري فقال : الضمير في قوله :
وَمِنْ خَلْفِهِمْ
عائد على الرسل ، والضمير في قوله :
مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ
على الأمم ، وتابعه الثعلبي ، وهذا غير قوي لأنه يفرق الضمائر ويشعب المعنى . و ( أن ) في قوله :
أَلَّا تَعْبُدُوا
نصب على إسقاط الخافض ، التقدير : « بأن » . و
تَعْبُدُوا
مجزوم على النهي ، ويتوجه أن يكون منصوبا على أن تكون ( لا ) نافية ، وفيه بعد . وكان من تلك الأمم إنكار بعثة البشر واستدعاء الملائكة ، وهذه أيضا كانت من مقالات قريش . وقوله :
فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ
ليس على جهة الإقرار بأنهم أرسلوا بشيء ، وإنما معناه على زعمكم ودعواكم . ثم وصف حالة القوم ، وأن عادا طلبوا التكبر ووضعوا أنفسهم فيه بغير حق ، بل بالكفر والمعاصي وغوتهم قوتهم وعظم أبدانهم والنعم فقالوا على جهة التقرير :
مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً
فعرض اللّه تعالى موضع النظر بقوله :
أَ وَلَمْ يَرَوْا
الآية ، وهذا بين في العقل ، فإن للشيء المخترع له المذهب متى شاء هو أقوى منه ، وأخبر تعالى عنهم بجحودهم بآياته المنصوبة للنظر والمنزلة من عنده ، إذ لفظ الآيات يعم ذلك كله في المعنى . قوله عزّ وجل :
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 8 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى