تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
آخر الآية وحض على التقوى التي هي ملاك الدين والدنيا وبها يلقى العدو ، وقد قال بعض الصحابة : إنما تقاتلون الناس بأعمالكم وأهلها هم المجدون في طرق الحق فوعد تعالى أنه مع أهل التقوى ومن كان اللّه معه فلن يغلب . قوله عزّ وجل :

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 124 إلى 126 ]

وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 124 ) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ ( 125 ) أَ وَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 126 ) هذه الآية نزلت في شأن المنافقين ، والضمير في قوله
فَمِنْهُمْ
عائد على المنافقين ، وقوله تعالى :
أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً
يحتمل أن يكون لمنافقين مثلهم ، ويحتمل أن يكون لقوم من قراباتهم من المؤمنين يستنيمون إليهم ويثقون بسترهم عليهم ويطمعون في ردهم إلى النفاق ، ومعنى
أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً
الاستخفاف والتحقير لشأن السورة كما تقول أي غريب في هذا أو أي دليل ، ثم ابتدأ عزّ وجل الرد عليهم والحكم بما يهدم لبسهم فأخبر أن المؤمنين الموقنين قد « زادتهم إيمانا » وأنهم
يَسْتَبْشِرُونَ
من ألفاظها ومعانيها برحمة اللّه ورضوانه ، والزيادة في الإيمان موضع تخبط للناس وتطويل ، وتلخيص القول فيه أن الإيمان الذي هو نفس التصديق ليس مما يقبل الزيادة والنقص في نفسه ، وإنما تقع الزيادة في المصدق به ، فإذا نزلت سورة من اللّه تعالى ، حدث للمؤمنين بها تصديق خاص لم يكن قبل ، فتصديقهم بما تضمنته السورة من إخبار وأمر ونهي أمر زائد على الذي كان عندهم قبل ، فهذا وجه من زيادة الإيمان ، ووجه آخر أن السورة ربما تضمنت دليلا أو تنبيها عليه فيكون المؤمن قد عرف اللّه بعدة أدلة ، فإذا نزلت السورة زادت في أدلته ، وهذه أيضا جهة أخرى من الزيادة ، وكلها خارجة عن نفس التصديق إذا حصل تاما ، فإنه ليس يبقى فيه موضع زيادة ، ووجه آخر من وجوه الزيادة أن الرجل ربما عارضه شك يسير أو لاحت له شبهة مشغبة فإذا نزلت السورة ارتفعت تلك الشبهة واستراح منها ، فهذا أيضا زيادة في الإيمان إذ يرتقي اعتقاده عن مرتبة معارضة تلك الشبهة إلى الخلوص منها ، وأما على قول من يسمي الطاعات إيمانا وذلك مجاز عند أهل السنة فتترتب الزيادة بالسورة إذ تتضمن أوامر ونواهي وأحكاما ، وهذا حكم من يتعلم العلم في معنى زيادة الإيمان ونقصانه إلى يوم القيامة ، فإن تعلم الإنسان العلم بمنزلة نزول سورة القرآن و
الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
هم المنافقون ، وهذا تشبيه وذلك أن السالم المعتقد المنشرح الصدر بالإيمان يشبهه الصحيح ، والفاسد المعتقد يشبهه المريض ، ففي العبارة مجاز فصيح لأن المرض والصحة إنما هي خاصة في الأعضاء ، فهي في المعتقدات مجاز ، و « الرجس » في هذه الآية عبارة عن حالهم التي جمعت معنى الرجس في اللغة ، وذلك أن الرجس في اللغة يجيء بمعنى القذر ويجيء بمعنى العذاب ، وحال هؤلاء المنافقين هي قذر وهي عذاب عاجل كفيل بآجل ، وزيادة « الرجس إلى الرجس » هي عمههم في الكفر
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 98 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى