هذه الآية مختصة بالبعوث والسرايا ، والآية المتقدمة ثابتة الحكم مع خروج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الغزو ، وهذه ثابتة الحكم مع تخلفه أي يجب إذا تخلف ألا ينفر الناس كافة فيبقى هو منفردا وإنما ينبغي أن تنفر طائفة وتبقى طائفة لتتفقه هذه الباقية في الدين ، وينذروا النافرين إذا رجع النافرون إليهم ، وقالت فرقة : هذه الآية ناسخة لكل ما ورد من إلزام الكافة النفير والقتال ، والضمير في قوله
لِيَتَفَقَّهُوا
عائد أيضا على هذا التأويل على الطائفة المتخلفة مع النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهو القول الأول في ترتيبنا هذا عائد على الطائفة النافرة ، وكذلك يترتب عوده مع بعض الأقوال على هذه ومع بعضها على هذه ، والجمهور على أن « التفقه » إنما هو بمشاهدة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وصحبته ، وقالت فرقة يشبه أن يكون « التفقه » في الغزو في السرايا لما يرون من نصرة اللّه لدينه وإظهاره العدد القليل من المؤمنين على الكثير من الكافرين وعلمهم بذلك صحة دين الإسلام ومكانته من اللّه تعالى ، ورجحه الطبري وقواه ، والآخر أيضا قوي ، والضمير في قوله
لِيُنْذِرُوا
عائد على المتفقهين بحسب الخلاف ، و « الإنذار » عام للكفر والمعاصي والحذر منها أيضا كذلك ، وقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ
الآية ، قيل هذه الآية نزلت قبل الأمر بقتال الكفار كافة فهي من التدريج الذي كان في أول الإسلام .
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول يضعفه هذه الآية من آخر ما نزل ، وقالت فرقة : إنما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ربما تجاوز قوما من الكفار غازيا لقوم آخرين أبعد منهم ، فأمر اللّه تعالى بغزو الأدنى فالأدنى إلى المدينة ، وقالت فرقة : الآية مبينة صورة القتال كافة وهي مترتبة مع الأمر بقتال الكفار كافة ، ومعناها أن اللّه تبارك وتعالى أمر فيها المؤمنين أن يقاتل كل فريق منهم الجنس الذي يصاقبه من الكفرة ، وهذا هو القتال لكلمة اللّه ورد الناس إلى الإسلام ، وأما إذا مال العدو إلى صقع من أصقاع المسلمين ففرض على من اتصل به من المسلمين كفاية عدو ذلك الصقع وإن بعدت الدار ونأت البلاد ، وقال قائلوا هذه المقالة : نزلت الآية مشيرة إلى قتال الروم بالشام لأنهم كانوا يومئذ العدو الذي يلي ويقرب إذ كانت العرب قد عمها الإسلام وكانت العراق بعيدة ، ثم لما اتسع نطاق الإسلام توجه الفرض في قتال الفرس والديلم وغيرهما من الأمم ، وسأل ابن عمر رجل عن قتال الديلم فقال : عليك بالروم ، وقال الحسن : هم الروم والديلم .
قال القاضي أبو محمد : يعني في زمنه ذلك ، وقاله علي بن الحسين ، وقال ابن زيد : المراد بهذه الآية وقت نزولها العرب ، فلما فرغ منهم نزلت في الروم وغيرهم
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ
[ التوبة : 29 ] إلى قوله
حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ
[ التوبة : 29 ] ، وقرأ جمهور الناس « غلظة » بكسر الغين ، وقرأ المفضل عن عاصم والأعمش « غلظة » بفتحها ، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبان بن ثعلبة وابن أبي عبلة « غلظة » بضمها ، وهي قراءة أبي حيوة ورواها المفضل عن عاصم أيضا ، قال أبو حاتم رويت الوجوه الثلاثة عن أبي عمرو ، وفي هاتين القراءتين شذوذ وهي لغات ، ومعنى الكلام وليجدوا فيكم خشونة وبأسا ، وذلك مقصود به القتال ، ومنه
عَذابٍ غَلِيظٍ
[ إبراهيم : 17 ، لقمان : 24 ، فصلت : 50 ، هود : 58 ] و
غَلِيظَ الْقَلْبِ
[ آل عمران : 129 ] و
غِلاظٌ شِدادٌ
[ التحريم : 6 ] في صفة الزبانية ، وغلظت علينا كبده في حفر الخندق إلى غير ذلك ، ثم وعد تعالى في