تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
مفعلة من خموص البطن وهي ضموره ، واستعير ذلك لحالة الجوع إذ الخموص ملازم له ، ومن ذلك قول الأعشى : [ الطويل ]
تبيتون في المشتى ملاء بطونكم * وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا
ومنه أخمص القدم والخمصانة من النساء ، وقوله تعالى :
وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً
أي ولا ينتهون من الأرض منتهى مؤذيا للكفار ، وذلك هو الغائظ ومنه في المدونة كنا لا نتوضأ من موطئ من قول ابن مسعود ، وقوله تعالى :
وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا
لفظ عام لقليل ما يصنعه المؤمنون بالكفرة من أخذ مال أو إيراد هوان وكثيره ، والنيل مصدر نال ينال وليس من قولهم نلت أنوله نولا ونوالا وقيل هو منه ، وبدلت الواو ياء لخفتها هنا وهذا ضعيف ، والطبري قد ذكر نحوه وضعفه وقال ليس ذلك المعروف من كلام العرب ، وقوله
وَلا يُنْفِقُونَ
الآية ، قدم الصغيرة للاهتمام أي إذا كتبت الصغيرة فالكبيرة أحرى ، و « الوادي » ما بين جبلين كان فيه ماء أو لم يكن ، وجمعه أودية ، وليس في كلام العرب فاعل وأفعلة إلا في هذا الحرف وحده ، وفي الحديث « ما ازداد قوم من أهليهم في سبيل اللّه بعدا إلا ازدادوا من اللّه قربا » . قوله عزّ وجل :

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 122 إلى 123 ]

وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ( 122 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( 123 ) قالت فرقة : سبب هذه الآية أن المؤمنين الذين كانوا بالبادية سكانا ومبعوثين لتعليم الشرع لما سمعوا قول اللّه عزّ وجل :
ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ
[ الكهف : 62 ] أهمهم ذلك فنفروا إلى المدينة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خشية أن يكونوا مذنبين في التخلف عن الغزو فنزلت هذه الآية في نفرهم ذلك ، وقالت فرقة : سبب هذه الآية أن المنافقين لما نزلت الآيات في المتخلفين قالوا هلك أهل البوادي فنزلت هذه الآية مقيمة لعذر أهل البوادي . قال القاضي أبو محمد : فيجيء قوله تعالى :
ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ
[ الكهف : 62 ] عموم في اللفظ والمراد به في المعنى الجمهور والأكثر ، وتجيء هذه الآية مبينة لذلك مطردة الألفاظ متصلة المعنى من قوله تعالى :
ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ
إلى قوله
يَحْذَرُونَ
بين في آخر الآية العموم الذي في أولها إذ هو معرض أن يتأول فيه ألا يتخلف بشر ، و « التفقه » هو من النافرين ، و « الإنذار » هو منهم ، والضمير في
رَجَعُوا
لهم أيضا ، وقالت فرقة هذه : الآية ليست في معنى الغزو وإنما سببها أن قبائل من العرب لما دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على مضر بالسنين أصابتهم مجاعة وشدة ، فنفروا إلى المدينة لمعنى المعاش فكادوا أن يفسدوها ، وكان أكثرهم غير صحيح الإيمان وإنما أضرعه الجوع فنزلت الآية في ذلك ، فقال وما كان من صفته الإيمان لينفر مثل هذا النفر أي ليس هؤلاء المؤمنين ، وقال ابن عباس ما معناه : إن
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 96 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى