تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
وروي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إنما قال المقالة المتقدمة لنبي عمرو بن عوف والأول أكثر ، واختلف أهل العلم في الأفضل بين الاستنجاء بالماء أو بالحجارة فقيل هذا وقيل هذا ، ورأت فرقة من أهل العلم الجمع بينهما فينقي بالحجارة ثم يتبع بالماء ، وحدثني أبي رضي اللّه عنه أنه بلغه أن بعض علماء القيروان كانوا يتخذون في متوضياتهم أحجارا في تراب ينقون بها ، ثم يستنجون بالماء أخذا بهذا القول . قال القاضي أبو محمد : وإنما يتصور الخلاف في البلاد التي يمكن فيها أن تنقى الحجارة ، وابن حبيب لا يجيز الاستنجاء بالحجارة حيث يوجد الماء ، وهو قول شذ فيه ، وقرأ جمهور الناس « يتطهروا » ، وقرأ طلحة بن مصرف والأعمش « يطهروا » بالإدغام ، وقرأ علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : « المتطهرين » بالتاء ، وأسند الطبري عن عطاء أنه قال : أحدث قوم من أهل قباء الاستنجاء بالماء فنزلت الآية فيهم . وروي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : منهم عويم بن ساعدة ولم يسم أحد منهم غير عويم ، وقوله :
أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ
الآية استفهام بمعنى تقرير ، وقرأ نافع وابن عامر وجماعة « أسس بنيانه » على بناء « أسس » للمفعول ورفع « بنيان » فيهما ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي وجماعة « أسس بنيانه » على بناء الفعل للفاعل ونصب « بنيان » فيهما ، وقرأ عمارة بن ضبا رواه يعقوب الأول على بناء الفعل للمفعول والثاني على بنائه للفاعل ، والآية تتضمن معادلة بين شيئين ، فإما بين البناءين وإما بين البانين ، فالمعادلة الأولى هي بتقدير أبناء من أسس ، وقرأ نصر بن علي ورويت عن نصر بن عاصم : « أفمن أس بنيانه » على إضافة « أس » إلى « بنيان » وقرأ نصر بن عاصم وأبو حيوة أيضا « أساس بنيانه » ، وقرأ نصر بن عاصم أيضا « أسس بنيانه » على وزن فعل بضم الفاء والعين وهو جمع أساس كقذال وقذل حكى ذلك أبو الفتح ، وذكر أبو حاتم أن هذه القراءة لنصر إنما هي « أسس » بهمزة مفتوحة وسين مفتوحة وسين مضمومة ، وعلى الحكايتين فالإضافة إلى البنيان ، وقرأ نصر بن علي أيضا « أساس » على جمع « أس » و « البنيان » يقال بنى يبني بناء وبنيانا كالغفران والطغيان فسمي به المبنى مثل الخلق إذا أردت به المخلوق ، وقيل هو جمع واحده بنيانة ، وأنشد في ذلك أبو علي : [ الطويل ]
كبنيانة القاري موضع رجلها * وآثار نسعيها من الدق أبلق
وقرأ الجمهور
عَلى تَقْوى
وقرأ عيسى بن عمر « على تقوّى » بتنوين الواو حكى هذه القراءة سيبويه وردها الناس ، قال أبو الفتح : قياسها أن تكون الألف للإلحاق كأرطى ونحوه ، وأما المراد بالبنيان الذي أسس على التقوى والرضوان فهو في ظاهر اللفظ وقول الجمهور المسجد المذكور قبل ويطرد فيه الخلاف المتقدم ، وروي عن عبد اللّه بن عمر أنه قال : المراد بالمسجد المؤسس على التقوى هو مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، والمراد بأنه أسس على تقوى من اللّه ،
وَرِضْوانٍ خَيْرٌ
هو مسجد قباء ، وأما البنيان الذي أسس
عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ
فهو مسجد الضرار بإجماع . و « الشفا » الحاشية والشفير . و « الجرف » حول البئر ونحوه مما جرفته السيول والندوة والبلى . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو