تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
وإما في آخرها ، بتقدير لا تقم في مسجدهم وقيل الخبر لا يزال بنيانهم قاله النحاس وهذا أفصح ، وقد ذكرت كون
الَّذِينَ
بدلا من ،
آخَرُونَ
، آنفا ، وقال المهدوي : الخبر محذوف تقديره معذبون أو نحوه ، وأما الجماعة المرادة ب
الَّذِينَ اتَّخَذُوا
، فهم منافقو بني غنم بن عوف وبني سالم بن عوف ، وأسند الطبري عن ابن إسحاق عن الزهري وغيره أنه قال : أقبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من غزوة تبوك حتى نزل بذي أوان بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار ، وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا يا رسول اللّه إنّا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة ، وإنّا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه ، فقال إني على جناح سفر وحال شغل ، ولو قدمنا إن شاء اللّه أتيناكم فصلينا لكم فيه ، فلما أقبل ونزل بذي أوان نزل عليه القرآن في شأن مسجد الضرار ، فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مالك بن الدخشم ومعن بن عدي أو أخاه عاصم بن عدي ، فقال : انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله ، فاهدماه وحرقاه ، فانطلقا مسرعين ففعلا وحرقاه بنار في سعف ، وذكر النقاش أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعث لهدمه وتحريقه عمار بن ياسر ووحشيا مولى المطعم بن عدي ، وكان بانوه اثني عشر رجلا ، خذام بن خالد ، ومن داره أخرج مسجد الشقاق وثعلبة بن حاطب ومتعب بن قشير ، وأبو حبيبة بن الأزعر وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف ، وجارية بن عمرو وابناه مجمع بن جارية وهو كان إمامهم ، وحلف لعمر بن الخطاب في خلافته أنه لم يشعر بأمرهم وزيد بن جارية ونبتل بن الحارث ، ويخرج وهو من بني ضبيعة وبجاد بن عثمان ووديعة بن ثابت ويخرج منهم هو الذي حلف لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « ما أردت إلا الحسنى » والتوسعة علينا وعلى من عجز أو ضعف عن المسير إلى مسجد قباء ، وقرأ ابن أبي عبلة « ما أردنا إلا الحسنى » ، والآية تقتضي شرح شيء من أمر هذه المساجد ، فروي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما قدم المدينة وقت الهجرة بني مسجدا في بني عمرو بن عوف وهو مسجد قباء ، وقيل وجده مبنيا قبل وروده ، وقيل وجده موضع صلاة فبناه وتشرف القوم بذلك ، فحسدهم من حينئذ رجال من بني عمهم من بني غنم بن عوف وبني سالم بن عوف ، فكان فيهم نفاق ، وكان موضع مسجد قباء مربطا لحمار امرأة من الأنصار اسمها لية ، فكان المنافقون يقولون واللّه لا نصبر على الصلاة في مربط حمار لية ونحو هذا من الأقوال ، وكان أبو عامر عبد عمرو المعروف بالراهب منهم ، وكانت أمه من الروم فكان يتعبد في الجاهلية فسمي الراهب ، وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة وكان سيدا نظيرا وقريبا من عبد اللّه بن أبي ابن سلول ، فلما جاء اللّه بالإسلام نافق ولم يزل مجاهرا بذلك فسماه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الفاسق ، ثم خرج في جماعة من المنافقين فحزب على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الأحزاب ، فلما ردهم اللّه بغيظهم أقام أبو عامر بمكة مظهرا لعداوته ، فلما فتح اللّه مكة هرب إلى الطائف . فلما أسلم أهل الطائف خرج هاربا إلى الشام يريد قيصر مستنصرا به على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكتب إلى قومه المنافقين منهم أن ابنوا مسجدا مقاومة لمسجد قباء وتحقيرا له ، فإني سآتي بجيش من الروم أخرج به محمدا وأصحابه من المدينة فبنوه ، وقالوا سيأتي أبو عامر ويصلي فيه ويتخذه متعبدا ويسر به ، ثم إن أبا عامر هلك عند قيصر ونزل القرآن في أمر مسجد الضرار فذلك قوله
وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
يعني أبا عامر وقولهم سيأتي أبو عامر ، وقرأ الأعمش « للذين حاربوا اللّه » وقوله
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 81 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى