تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
أَنْفُسَهُمْ
الآية ، هذه الآية نزلت في البيعة الثالثة وهي بيعة العقبة الكبرى ، وهي التي أناف فيها رجال الأنصار على السبعين وكان أصغرهم سنا عقبة بن عمرو ، وذلك أنهم اجتمعوا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند العقبة فقالوا : اشترط لك ولربك ، والمتكلم بذلك عبد اللّه بن رواحة ، فاشترط رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حمايته مما يحمون منه أنفسهم ، واشترط لربه التزام الشريعة وقتال الأحمر والأسود في الدفع عن الحوزة ، فقالوا : ما لنا على ذلك ؟ قال الجنة ، فقالوا : نعم ربح البيع لا نقيل ولا نقال ، وفي بعض الروايات ولا نستقيل فنزلت الآية في ذلك . ثم الآية بعد ذلك عامة في كل من جاهد في سبيل اللّه من أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى يوم القيامة ، وقال بعض العلماء : ما من مسلم إلا وللّه في عنقه هذه البيعة وفي بها أو لم يف ، وفي الحديث أن فوق كل بربرا حتى يبذل العبد دمه فإذا فعل ذلك فلا بر فوق ذلك ، وهذا تمثيل من اللّه عزّ وجل جميل صنعه بالمبايعة ، وذلك أن حقيقة المبايعة أن تقع بين نفسين بقصد منهما وتملك صحيح ، وهذا القصة وهب اللّه عباده أنفسهم وأموالهم ثم أمرهم ببذلها في ذاته ووعدهم على ذلك ما هو خير منها ، فهذا غاية التفضل ، ثم شبه القصة بالمبايعة ، وأسند الطبري عن كثير من أهل العلم أنهم قالوا : ثامن اللّه تعالى في هذه الآية عباده فأعلى لهم وقاله ابن عباس والحسن بن أبي الحسن ، وقال ابن عيينة : معنى الآية اشترى منهم أنفسهم ألا يعملوها إلا في طاعة اللّه ، وأموالهم أن لا ينفقوها إلا في سبيل اللّه . قال القاضي أبو محمد : فالآية على هذا أعم من القتل في سبيل اللّه ، ومبايعة الخلفاء هي منتزعة من هذه الآية . كان الناس يعطون الخلفاء طاعتهم ونصائحهم وجدهم ويعطيهم الخلفاء عدلهم ونظرهم والقيام بأمورهم ، وحدثني أبي رضي اللّه عنه أنه سمع الواعظ أبا الفضل بن الجوهري يقول على المنبر بمصر : ناهيك من صفقة البائع فيها رب العلى والثمن جنة المأوى والواسطة محمد المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ، وقوله
يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
مقطوع ومستأنف ، وذلك على تأويل سفيان بن عيينة ، وأما على تأويل الجمهور من أن الشراء والبيع إنما هو مع المجاهدين فهو في موضع الحال ، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وأبو عمرو والحسن وقتادة وأبو رجاء وغيرهم : « فيقتلون » على البناء للفاعل « ويقتلون » على البناء للمفعول ، وقرأ حمزة والكسائي والنخعي وابن وثاب وطلحة والأعمش بعكس ذلك ، والمعنى واحد إذ الغرض أن المؤمنين يقاتلون فيوجد فيهم من يقتل وفيهم من يقتل وفيهم من يجتمعان له وفيهم من لا تقع له واحدة منهما ، وليس الغرض أن يجتمع ولا بد لكل واحد واحد ، وإذا اعتبر هذا بان ، وقوله سبحانه
وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا
مصدر مؤكد لأن ما تقدم من الآية هو في معنى الوعد فجاء هو مؤكدا لما تقدم من قوله :
بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ
، وقال المفسرون : يظهر من قوله :
فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ
، أن كل أمة أمرت بالجهاد ووعدت عليه . قال القاضي أبو محمد : ويحتمل أن ميعاد أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم تقدم ذكره في هذه الكتب ، وقوله
وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ
استفهام على جهة التقرير أي لا أحد أوفى بعهده من اللّه ، وقوله
فَاسْتَبْشِرُوا
فعل جاء فيه استفعل بمعنى أفعل وليس هذا من معنى طلب الشيء ، كما تقول : استوقد نارا
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 87 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى