تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
قوله عزّ وجل :

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 79 إلى 80 ]

الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 79 ) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 80 ) قوله
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ
رد على الضمائر في قول
يَكْذِبُونَ
[ التوبة : 77 ] و
أَ لَمْ يَعْلَمُوا
[ التوبة : 78 ] و
سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ
[ التوبة : 78 ] و
يَلْمِزُونَ
معناه ينالون بألسنتهم ، وقرأ السبعة « يلمزون » بكسر الميم ، وقرأ الحسن وأبو رجاء ويعقوب وابن كثير فيما روي عنه « يلمزون » بضم الميم ، و
الْمُطَّوِّعِينَ
لفظة عموم في كل متصدق ، والمراد به الخصوص فيمن تصدق بكثير دل على ذلك قوله ، عطفا على
الْمُطَّوِّعِينَ
،
وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ
، ولو كان
الَّذِينَ لا يَجِدُونَ
قد دخلوا في
الْمُطَّوِّعِينَ
لما ساغ عطف الشيء على نفسه ، وهذا قول أبي على الفارسي في قوله عزّ وجل :
مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ
[ البقرة : 98 ] فإنه قال المراد بالملائكة من عدا هذين . وكذلك قال في قوله :
فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ
[ الرحمن : 68 ] وفي هذا كله نظر ، لأن التكرار لقصد التشريف يسوغ هذا مع تجوز العرب في كلامها ، وأصل
الْمُطَّوِّعِينَ
المتطوعين فأبدل التاء طاء وأدغم ، وأما المتصدق بكثير الذي كان سببا للآية فأكثر الروايات أنه عبد الرحمن بن عوف ، تصدق بأربعة آلاف وأمسك مثلها ، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم ، بارك اللّه لك فيما أمسكت وفيما أنفقت . وقيل هو عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه تصدق بنصف ماله ، وقيل عاصم بن عدي تصدق بمائة وسق ، وأما المتصدق بقليل فهو أبو عقيل حبحاب الأراشي ، تصدق بصاع من تمر وقال يا رسول اللّه جررت البارحة بالجرير وأخذت صاعين تركت أحدهما لعيالي وأتيت بالآخر صدقة . فقال المنافقون : اللّه غني عن صدقة هذا ، وقال بعضهم : إن اللّه غني عن صاع أبي عقيل ، وقيل : إن الذي لمز في القليل أبو خيثمة ، قاله كعب بن مالك صاحب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وتصدق عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف ، وقيل بأربعمائة أوقية من فضة ، وقيل أقل من هذا . فقال المنافقون : ما هذا إلا رياء ، فنزلت الآية في هذا كله ، وقوله :
فَيَسْخَرُونَ
معناه يستهزءون ويستخفون ، وهو معطوف على
يَلْمِزُونَ
، واعترض ذلك بأن المعطوف على الصلة فهو من الصلة وقد دخل بين هذا المعطوف والمعطوف عليه قوله
وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ
، وهذا لا يلزم ، لأن قوله
وَالَّذِينَ
معمول للذي عمل في
الْمُطَّوِّعِينَ
فهو بمنزلة قوله جاءني الذي ضرب زيدا وعمرا فقتلهما ، وقوله :
سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ
تسمية العقوبة باسم الذنب وهي عبارة عما حل بهم من المقت والذل في نفوسهم ، وقوله :
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
معناه مؤلم ، وهي آية وعيد محض ، وقرأ جمهور « جهدهم » بضم الجيم ، وقرأ
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 63 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى