تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
ثعلبة كذلك حتى هلك في مدة عثمان . وفي قوله تعالى :
فَأَعْقَبَهُمْ
نص المعاقبة على الذنب بما هو أشد منه ، وقوله :
إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ
يقتضي موافاتهم على النفاق ، ولذلك لم يقبل الخلفاء رضي اللّه عنهم رجوع ثعلبة لشهادة القرآن عليه بالموافاة ، ولولا الاحتمال في أنه نفاق معصية لوجب قتله ، وقرأ الأعمش « لنصدقن » بالنون الثقيلة مثل الجماعة « ولنكونن » خفيفة النون ، والضمير الذي في قوله
فَأَعْقَبَهُمْ
يعود على اللّه عزّ وجل . ويحتمل أن يعود على « البخل » المضمن في الآية ، ويضعف ذلك الضمير في
يَلْقَوْنَهُ
، وقوله
نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ
، يحتمل أن يكون نفاق كفر ويكون تقرير ثعلبة بعد هذا النص والإبقاء عليه لمكان إظهاره الإسلام وتعلقه بما فيه احتمال . ويحتمل أن يكون قوله
نِفاقاً
يريد به نفاق معصية وقلة استقامة ، فيكون تقريره صحيحا ، ويكون ترك في أول الزكاة عقابا له ونكالا . وهذا نحو ما روي أن عاملا كتب إلى عمر بن عبد العزيز أن فلانا يمنع الزكاة ، فكتب إليه أن دعه واجعل عقوبته أن لا يؤدي الزكاة مع المسلمين ، يريد لما يلحقه من المقت في ذلك ، وقرأ الحسن والأعرج وأبو عمرو وعاصم ونافع وسائرهم
يَكْذِبُونَ
، قرأ أبو رجاء « يكذبون » ، وذكر الطبري في هذه الآية ما يناسبها من حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ثلاث من كن فيه كان منافقا خالصا ، إذا وعد أخلف وإذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان » وفي حديث آخر « وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر » ونحو هذا من الأحاديث ، ويظهر من مذهب البخاري وغيره من أهل العلم أن هذه الخلال الذميمة منافق من اتصف بها إلى يوم القيامة . وروي أن عمرو بن العاص لما احتضر قال زوجوا فلانا فإني قد وعدته لا ألقى اللّه بثلث النفاق ، وهذا ظاهر كلام الحسن بن أبي الحسن ، وقال عطاء بن بن أبي رباح قد فعل هذه الخلال إخوة يوسف ولم يكونوا منافقين بل كانوا أنبياء ، وهذه الأحاديث إنما هي في المنافقين في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، الذين شهد اللّه عليهم ، وهذه هي الخصال في سائر الأمة معاص لا نفاق . قال القاضي أبو محمد : ولا محالة أنها كانت مع التوحيد والإيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، معاص لكنها من قبيل النفاق اللغوي ، وذكر الطبري عن فرقة أنها قالت : كان العهد الذي عاهد اللّه عليه هؤلاء المنافقون شيئا نووه في أنفسهم ولم يتكلموا به . قال القاضي أبو محمد : وهذا فيه نظر ، وقوله :
أَ لَمْ يَعْلَمُوا
الآية ، لفظ به تعلق من قال في الآية المتقدمة إن العهد كان من المنافقين بالنية لا بالقول ، وقرأ الجمهور « يعلموا » بالياء من تحت ، وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن « ألم تعلموا » بالتاء ، من فوق ، وهذه الآية تناسب حالهم وذلك أنها تضمنت إحاطة علم اللّه بهم وحصره لهم ، وفيها توبيخهم على ما كانوا عليه من التحدث في نفوسهم من الاجتماع على ثلب الإسلام ، وراحة بعضهم مع بعض في جهة النبي صلى اللّه عليه وسلم وشرعه ، فهي تعم المنافقين أجمع ، وقائل المقالة المذكورة ذهب إلى أنها تختص بالفرقة التي عاهدت .
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 62 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى