تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
تعالى :
وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ
فلفظة عامة تتصرف في الأفعال والأقوال واللحظات ، ومنه قوله تعالى :
وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ
[ آل عمران : 159 ] ومنه قول النسوة لعمر بن الخطاب : أنت أفظ من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومعنى الغلظ خشن الجانب فهي ضد قوله تعالى :
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
[ الشعراء : 215 ] ثم جرت الآية المؤمنين عليهم في عقب الأمر بإخباره أنهم في جهنم ، والمعنى هم أهل لجميع ما أمرت أن تفعل بهم ، و « المأوى » حيث يأوي الإنسان ويستقر ، وقوله
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا
الآية ، هذه الآية نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت ، وذلك كأنه كان يأتي من قباء ومعه ابن امرأته عمير بن سعد فيما قال ابن إسحاق ، وقال عروة اسمه مصعب ، وقال غيره وهما على حمارين . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد سمى قوما ممن اتهمهم بالنفاق ، وقال إنهم رجس ، فقال الجلاس للذي كان يسير معه : واللّه ما هؤلاء الذين سمى محمد إلا كبراؤنا وسادتنا ، ولئن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من حمرنا هذه ، فقال له ربيبه أو الرجل الآخر ؟ واللّه إنه لحق ، وإنك لشر من حمارك ، ثم خشي الرجل من أن يلحقه في دينه درك ، فخرج وأخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالقصة فأرسل النبي صلى اللّه عليه وسلم في الجلاس فقرره فحلف باللّه ما قال ، فنزلت هذه الآية ، والإشارة ب
كَلِمَةَ الْكُفْرِ
إلى قوله : إن كان ما يقول محمد حقا فنحن شر من الحمر ، إن التكذيب في قوة هذا الكلام ، قال مجاهد وكان الجلاس لما قال له صاحبه إني سأخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقولك هم بقتله ، ثم لم يفعل عجزا عن ذلك فإلى هذا هي الإشارة بقوله
وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا
، وقال قتادة بن دعامة : نزلت هذه الآية في عبد اللّه بن أبي ابن سلول ، وذلك أن سنان بن وبرة الأنصاري والجهجاه الغفاري كسع أحدهما رجل الآخر في غزوة المريسيع ، فثاروا ، فصاح جهجاه بالأنصار وصاح سنان بالمهاجرين ، فثار الناس فهدن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال عبد اللّه بن أبي ابن سلول : ما أرى هؤلاء إلا قد تداعوا علينا ، ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال الأول : سمن كلبك يأكلك ، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، فبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فوقفه فحلف أنه لم يقل ذلك ، فنزلت الآية مكذبة له ، والإشارة ب
كَلِمَةَ الْكُفْرِ
إلى تمثيله : سمن كلبك يأكلك ، قال قتادة والإشارة ب
هَمُّوا
إلى قوله لئن رجعنا إلى المدينة ، وقال الحسن هم المنافقون من إظهار الشرك ومكابرة النبي صلى اللّه عليه وسلم بما لم ينالوا ، وقال تعالى :
بَعْدَ إِسْلامِهِمْ
ولم يقل بعد إيمانهم لأن ذلك لم يتجاوز ألسنتهم ، وقوله تعالى :
وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ
، معناه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنفذ لعبد اللّه بن أبي ابن سلول دية كانت قد تعطلت له ، ذكر عكرمة أنها كانت اثني عشر ألفا ، وقيل بل كانت للجلاس . قال القاضي أبو محمد : وهذا بحسب الخلاف المتقدم فيمن نزلت الآية من أولها ، وتقدم اختلاف القراء في
نَقَمُوا
في سورة الأعراف ، وقرأها أبو حيوة وابن أبي عبلة بكسر القاف ، وهي لغة ، وقوله
إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ
استثناء من غير الأول كما قال النابغة :
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب
فكأن الكلام وما نقموا إلا ما حقه أن يشكر ، وقال مجاهد في قوله
وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا
إنها نزلت
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 60 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى