الأعرج وجماعة معه « جهدهم » بالفتح ، وقيل هما بمعنى واحد ، وقاله أبو عبيدة ، وقيل هما لمعنيين الضم في المال والفتح في تعب الجسم ، ونحوه عن الشعبي ، وقوله :
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ
يصح أن يكون خبر ابتداء تقديره هم الذين ، ويصح أن يكون ابتداء وخبره
سَخِرَ
، وفي
سَخِرَ
معنى الدعاء عليهم .
ويحتمل أن يكون خبرا مجردا عن الدعاء ، ويحتمل أن يكون
الَّذِينَ
صفة جارية على ما قبل كما ذكرت أول الترجمة ، وقوله تعالى :
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ
يحتمل معنيين ، أحدهما أن يكون لفظ أمر ومعناه الشرط ، بمعنى إن استغفرت أو لم تستغفر لهم لن يغفر اللّه لهم ، فيكون مثل قوله تعالى :
قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ
[ التوبة : 53 ] وبمنزلة قول الشاعر : [ كثير ]
أسيئي لنا أو أحسني لا ملومة * لدينا ولا مقلية إن تقلت
وإلى هذا المعنى ذهب الطبري وغيره في معنى الآية ، والمعنى الثاني الذي يحتمله اللفظ أن يكون تخييرا ، كأنه قال له : إن شئت فاستغفر وإن شئت لا تستغفر ثم أعلمه أنه لا يغفر لهم وإن استغفر
سَبْعِينَ مَرَّةً
، وهذا هو الصحيح لقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتبيينه ذلك .
وذلك أن عمر بن الخطاب سمعه بعد نزول هذه الآية يستغفر لهم فقال يا رسول اللّه ، أتستغفر للمنافقين وقد أعلمك اللّه أنه لا يغفر لهم ، فقال له « يا عمر إن اللّه قد خيرني فاخترت ، ولو علمت أني إذا زدت على السبعين يغفر لهم لزدت » ، ونحو هذا من مقاولة عمر في وقت إرادة النبي صلى اللّه عليه وسلم الصلاة على عبد اللّه بن أبي ابن سلول ، وظاهر صلاته عليه أن كفره لم يكن يقينا عنده ، ومحال أن يصلي على كافر ، ولكنه راعى ظواهره من الإقرار ووكل سريرته إلى اللّه عزّ وجل ، وعلى هذا كان ستر المنافقين من أجل عدم التعيين بالكفر .
وفي هذه الألفاظ التي لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رفض إلزام دليل الخطاب ، وذلك أن دليل الخطاب يقتضي أن الزيادة على السبعين يغفر معها فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولو علمت فجعل ذلك مما لا يعلمه ، ومما ينبغي أن يتعلم ويطلب علمه من اللّه عزّ وجل ، ففي هذا حجة عظيمة للقول برفض دليل الخطاب ، وإذا ترتب كما قلنا التخيير في هذه الآية صح أن ذلك التخيير هو الذي نسخ بقوله تعالى : في سورة المنافقون
سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ
[ المنافقون : 6 ] ، ولمالك رحمه اللّه مسائل تقتضي القول بدليل الخطاب ، منها قوله : إن المدرك للتشهد وحده لا تلزمه أحكام الإمام لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قال : « من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة » فاقتضى دليل الخطاب أن من لم يدرك ركعة فليس بمدرك ، وله مسائل تقتضي رفض دليل الخطاب ، منها قول النبي صلى اللّه عليه وسلم ، « وفي سائمة الغنم الزكاة » فدليل الخطاب أن لا زكاة في غير السائمة ، ومالك يرى الزكاة في غير السائمة ، ومنها أن اللّه عزّ وجل يقول في الصيد
مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً
[ المائدة : 95 ] فقال مالك : حكم المخطئ والمتعمد سواء ودليل الخطاب يقتضي غير هذا ، وأما تمثيله « السبعين » دون غيرها من الأعداد فلأنه عدد كثيرا ما يجيء غاية وتحقيقا في الكثرة ، ألا ترى إلى القوم الذين اختارهم موسى وإلى أصحاب العقبة وقد قال بعض اللغويين إن التصريف الذي يكون من