[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 96 إلى 100 ]
آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً ( 96 ) فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً ( 97 ) قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ( 98 ) وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً ( 99 ) وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً ( 100 )
قرأ عاصم وحمزة « ايتوني » بمعنى جيئوني ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي « آتوني » بمعني أعطوني ، وهذا كله إنما هو استدعاء إلى المناولة ، لا استدعاء العطية والهبة ، لأنه قد ارتبط من قوله إنه لا يأخذ منهم الخرج ، فلم يبق الاستدعاء المناولة ، وإعمال القوة ، و « ايتوني » : أشبه بقوله :
فأعينوني بقوة ، ونصب « الزبر » به على نحو قول الشاعر : أمرتك الخير ، حذف الجار فنصب الفعل وقرأ الجمهور « زبر » بفتح الباء ، وقرأ الحسن بضمها ، وكل ذلك جمع زبرة ، وهي القطعة العظيمة منه ، والمعنى : فرصفه وبناه ، حتى إذا ساوى بين الصدفين ، فاختصر ذلك لدلالة الظاهر عليه ، وقرأ الجمهور « ساوى » وقرأ قتادة « سوى » ، و « الصدفان » : الجبلان المتناوحان ، ولا يقال للواحد صدف وإنما يقال صدفان لاثنين لأن أحدهما يصادف الآخر ، وقرأ نافع وحمزة والكسائي « الصّدفين » بفتح الصاد وشدها وفتح الدال ، وهي قراءة عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز ، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو « الصّدفين » بضم الصاد والدال ، وهي قراءة مجاهد والحسن ، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بضم الصاد وسكون الدال ، وهي قراءة أبي رجاء وأبي عبد الرحمن وقرأ الماجشون : بفتح الصاد وضم الدال ، وقراءة قتادة « بين الصّدفين » ، بفتح الصاد وسكون الدال ، وكل ذلك بمعنى واحد : هما الجبلان المتناوحان ، وقيل « الصدفان » :
السطحان الأعليان من الجبلين ، وهذا نحو من الأول ، وقوله
قالَ انْفُخُوا
إلى آخر الآية معناه أنه كان يأمر بوضع طاقة من الزبر والحجارة ، ثم يوقد عليها ، حتى تحمى ، ثم يؤتى بالنحاس المذاب أو الرصاص أو بالحديد ، بحسب الخلاف في القطر ، فيفرغه ، على تلك الطاقة المنضدة ، فإذا التأم واشتد استأنف وصف طاقة أخرى ، إلى أن استوى العمل ، وقرأ بعض الصحابة : « بقطر أفرغ عليه » ، وقال أكثر المفسرين :
« القطر » : النحاس المذاب ، ويؤيد هذا ما روي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جاءه رجل فقال : يا رسول اللّه ، إني رأيت سد يأجوج ومأجوج ، قال كيف رأيته ؟ قال رأيته كالبرد المحبر : طريقة صفراء ، وطريقة حمراء ، وطريقة سوداء . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : قد رأيته ، وقالت فرقة « القطر » :
الرصاص المذاب ، وقالت فرقة الحديد المذاب ، وهو مشتق من قطر يقطر ، والضمير في قوله
اسْتَطاعُوا
ل
يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ
[ الكهف : 94 ] ، وقرأت فرقة « فما اسطاعوا » بسكون السين وتخفيف الطاء ، وقرأت فرقة بشد الطاء ، وفيها تكلف الجمع بين ساكنين و
يَظْهَرُوهُ
معناه : يعلونه بصعود فيه ، ومنه في الموطأ :
والشمس في حجرتها قبل أن تظهر ،
وَمَا
اسطاعوا
لَهُ نَقْباً
لبعد عرضه وقوته ولا سبيل سوى هذين إما ارتقاء وإما نقب ، وروي أن في طوله ما بين طرفي الجبلين مائة فرسخ ، وفي عرضه خمسين فرسخا ، وروى غير هذا مما لا ثبوت له ، فاختصرناه ، إذ لا غاية للتخرص ، وقوله في هذه الآية
انْفُخُوا
يريد بالأكيار ، وقوله
اسْطاعُوا
بتخفيف الطاء ، على قراءة الجمهور قيل هي لغة بمعنى استطاعوا وقيل بل استطاعوا بعينه ، كثر في كلام العرب حتى حذف بعضهم منه التاء ، فقالوا :
اسْطاعُوا
، وحذف بعضهم منه الطاء