تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 541

مساهمون:

ص٥٤١
وابن جريج ، وكثر النقاش في غيره في هذا المعنى ، والظاهر من اللفظ أنها عبارة بليغة عن قرب الشمس منهم وفعلها ، لقدرة اللّه تعالى فيهم ، ونيلها منهم ، ولو كان لهم أسراب تغني لكان سترا كثيفا ، وإنما هم في قبضة القدرة ، سواء كان لهم أسراب أو دور أو لم يكن ، ألا ترى أن الستر ، عندنا نحن ، إنما هو من السحاب والغمام وبرد الهوى ، ولو سلط اللّه علينا الشمس لأحرقتنا ، فسبحان المنفرد بالقدرة التامة ، وقوله
كَذلِكَ
معناه : فعل معهم كفعله مع الأولين أهل المغرب ، فأوجز بقوله
كَذلِكَ
ثم أخبر اللّه تعالى عن إحاطته بجميع ما لدى ذي القرنين ، وما تصرف من أفعاله ويحتمل أن يكون
كَذلِكَ
استئناف قول ، ولا يكون راجعا على الطائفة الأولى ، فتأمله ، والأول أصوب . قوله عزّ وجل :

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 92 إلى 95 ]

ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ( 92 ) حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً ( 93 ) قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ( 94 ) قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً ( 95 ) قرأت فرقة « اتّبع » بشد التاء ، وقرأت فرقة « أتبع » بتخفيفها ، وقد تقدم ذكره وهذه الآية تقتضي أنه لما بلغ مطلع الشمس ، أي أدنى الأرض من مطلع الشمس ،
أَتْبَعَ
بعد ذلك
سَبَباً
، أي طريقا آخر ، فهو ، واللّه أعلم ، إما يمنة وإما يسرة من مطلع الشمس ، و « السدان » فيما ذكر أهل التفسير ، جبلان سدا مسالك تلك الناحية من الأرض ، وبين طرفي الجبلين فتح ، هو موضع الردم ، قال ابن عباس : الجبلان اللذان بينهما السد : أرمينية وأذربيجان ، وقالت فرقة : هما من وراء بلاد الترك ، ذكره المهدوي . قال القاضي أبو محمد : وهذا كله غير متحقق ، وإنما هما في طريق الأرض مما يلي المشرق ويظهر من ألفاظ التواريخ ، أنه إلى ناحية الشمال ، وأما تعيين موضع فيضعف ، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم : « السّدين » بضم السين ، وكذلك « سدا » حيث وقع ، وقرأ حفص عن عاصم بفتح ذلك كله من جميع القرآن ، وهي قراءة مجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي ، وقرأ ابن كثير « السّدين » بفتح السين وضم « سدا » في يس ، واختلف بعد فقال الخليل وسيبويه : الضم هو الاسم والفتح هو المصدر ، وقال الكسائي : الضم والفتح لغتان بمعنى واحد ، وقرأ عكرمة وأبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة ما كان من خلقة اللّه لم يشارك فيه أحد بعمل فهو بالضم ، وما كان من صنع البشر فهو بالفتح . قال القاضي أبو محمد : ويلزم أهل هذه المقالة أن يقرأ « بين السّدين » بالضم وبعد ذلك « سدا » بالفتح ، وهي قراءة حمزة والكسائي ، وحكى أبو حاتم عن ابن عباس وعكرمة عكس ما قال أبو عبيدة ، وقال ابن أبي إسحاق : وما رأته عيناك فهو « سد » بالضم ، وما لا يرى فهو « سد » بالفتح ، والضمير في
دُونِهِما
عائد على الجبلين ، أي : وجدهم في الناحية التي تلي عمارة الناس إلى المغرب ، واختلف في القوم ، فقيل : هم بشر ، وقيل جن ، والأول أصح من وجوه ، وقوله
لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا
عبارة عن بعد لسانهم عن ألسنة الناس ، لكنهم فقهوا وأفهموا بالترجمة ونحوها ، وقرأ حمزة والكسائي « يفقهون » من أفقه ، وقرأ
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 541 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى