إليها ، وذهب الطبري إلى أن اتخاذ الحسن هو الأسر مع كفرهم ، فالمعنى ، على هذا ، أنهم كفروا ولا بد فخيره اللّه بين قتلهم أو أسرهم ، ويحتمل أن يكون الاتخاذ ضرب الجزية .
قال القاضي أبو محمد : ولكن تقسيم
ذِي الْقَرْنَيْنِ
بعد هذا الأمر إلى كفر أو إيمان ، يريد هذا القول بعض الرد ، فتأمله .
قوله عزّ وجل :
[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 87 إلى 91 ]
قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً ( 87 ) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً ( 88 ) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ( 89 ) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً ( 90 ) كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً ( 91 )
ظَلَمَ
في هذه الآية بمعنى كفر ، ثم توعد الكافرين بتعذيبه إياهم قبل عذاب اللّه ، وعقب لهم بذكر عذاب اللّه ، لأن تعذيب ذي القرنين هو اللاحق عندهم ، المحسوس لهم ، الأقرب نكاية فلما جاء إلى وعد المؤمنين ، قدم تنعيم اللّه تعالى الذي هو اللاحق عن المؤمنين ، والآخر بإزائه حقير ، ثم عبر أخيرا بذكر إحسانه في قول اليسر ، وجعله قولا ، إذ الأفعال كلها خلق اللّه تعالى ، فكأنه سلمها ، ولم يراع تكسبه ، وقرأت فرقة « نكرا » بضم الكاف ، وفرقة « نكرا » بسكون الكاف ، ومعناه المنكر الذي تنكره الأوهام لعظمه وتستهوله ، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وأبو عمرو وابن عامر :
جَزاءً الْحُسْنى
بإضافة الجزاء إلى
الْحُسْنى
، وذلك يحتمل معنيين : أحدهما أن يريد ب
الْحُسْنى
الجنة ، والجنة هي الجزاء ، فأضاف ذلك كما قال « دار الآخرة » والدار هي الآخرة ، والثاني أن يريد ب
الْحُسْنى
أعمالهم الصالحة في إيمانهم ، فوعدهم بجزاء الأعمال الصالحة ، وقرأ حمزة الكسائي وحفص عن عاصم « جزاء الحسنى » بنصب الجزاء على المصدر في موضع الحال ، و « الحسنى » : ابتداء خبره في المجرور ، ويراد بها الجنة ، وقرأ عبد اللّه بن أبي إسحاق « جزاء » بالرفع والتنوين
الْحُسْنى
وقرأ ابن عباس ومسروق :
« جزاء » نصب بغير التنوين
الْحُسْنى
بالإضافة ، قال المهدوي : ويجوز حذف التنوين لالتقاء الساكنين ، ووعدهم بذلك بأنه ييسر عليهم أمور دنياهم ، وقرأ ابن القعقاع : « يسرا » بضم السين ، وقوله
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً
المعنى : ثم سلك ذو القرنين الطرق المؤدية إلى مقصده ، فيجيء سبب الوصول ، وكان ذو القرنين ، على ما وقع في كتب التواريخ يدوس الأرض بالجيوش الثقال ، والسيرة الحميدة ، والإعداد الموفي ، والحزم المستيقظ المتقد ، والتأييد المتواصل ، وتقوى اللّه عزّ وجل ، فما لقي أمة ولا مر بمدينة إلا دانت له ، ودخلت في طاعته ، وكل من عارضه أو توقف عن أمره جعله عظة وآية لغيره ، وله في هذا المعنى أخبار كثيرة وغرائب . كرهت التطويل بها لأنها علم تاريخ . وقرأ الجمهور « مطلع » بكسر اللام ، وقرأ الحسن بخلاف وابن كثير وأهل مكة « مطلع الشمس » بفتح اللام ، و « القوم » : الزنج ، قاله قتادة وهم الهنود وما وراءهم ، وقال النقاش في قوله
لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً
معناه : أنه ليس لهم بنيان ، إذ لا تحمل أرضهم البناء ، وإنما يدخلون من حر الشمس في أسراب ، وقيل يدخلون في ماء البحر ، قاله الحسن وقتادة