تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 491

مساهمون:

ص٤٩١
في قراءة ابن مسعود وأبيّ « فرقناه عليه لتقرأه » أي أنزلناه شيئا بعد الشيء لا جملة واحدة ويتناسق هذا المعنى مع قوله
لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ
، وهذا كان مما أراد اللّه من نزوله بأسباب تقع في الأرض من أقوال وأفعال في أزمان محدودة معينة ، واختلف أهل العلم في كم القرآن من المدة ؟ فقيل : في خمس وعشرين سنة ، وقال ابن عباس : في ثلاث وعشرين سنة ، وقال قتادة في عشرين سنة ، وهذا بحسب الخلاف في سن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك أن الوحي بدأ وهو ابن أربعين ، وتم بموته ، وحكى الطبري عن الحسن البصري أنه قال : نزل القرآن في ثمان عشرة سنة ، وهذا قول يختل لا يصح عن الحسن واللّه أعلم ، وتأولت فرقة قوله عزّ وجل
عَلى مُكْثٍ
أي على ترسل في التلاوة ، وهو ترتيل ، هذا قول مجاهد وابن عباس وابن جريج وابن زيد ، والتأويل الآخر أي
عَلى مُكْثٍ
وتطاول في المدة شيئا بعد شيء ، وقوله
وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
مبالغة وتأكيد بالمصدر للمعنى المتقدم ذكره في ألفاظ الآية ، وأجمع القراء على ضم الميم من
مُكْثٍ
، ويقال مكث ومكث بفتح الميم ومكث بكسرها ، وقوله
قُلْ آمِنُوا بِهِ
الآية تحقير للكفار ، وفي ضمنه ضرب من التوعد ، والمعنى أنكم لستم بحجة ، فسواء علينا آمنتم أم كفرتم ، وإنما ضرّ ذلك على أنفسكم ، وإنما الحجة أهل العلم من قبله وهم بالصفة المذكورة ، واختلف الناس في المراد ب
الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ
، فقالت فرقة : هم مؤمنو أهل الكتاب وقالت فرقة : هم ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل ومن جرى مجراهما . وقيل إن جماعة من أهل الكتاب جلسوا وهم على دينهم فتذاكروا أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم وما أنزل عليه ، وقرئ عليهم منه شيء فخشعوا وسبحوا للّه ، وقالوا هذا وقت نبوة المذكور في التوراة ، وهذه صفته ، ووعد اللّه به واقع لا محالة وجنحوا إلى الإسلام هذا الجنوح ، فنزلت الآية فيهم ، وقالت فرقة : المراد ب
الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ
محمد صلى اللّه عليه وسلم ، والضمير في
قَبْلِهِ
عائد على القرآن حسب الضمير في
بِهِ
، ويبين ذلك قوله
إِذا يُتْلى
، وقيل الضميران لمحمد . واستأنف ذكر القرآن في قوله
إِذا يُتْلى
، وقوله
لِلْأَذْقانِ
أي لناحيتها ، وهذا كما تقول تساقط لليد والفم أي لناحيتهما ، وعليهما قال ابن عباس : المعنى للوجوه ، وقال الحسن : المعنى للحى ، و « الأذقان » أسافل الوجوه حيث يجتمع اللحيان ، وهي أقرب ما في رأس الإنسان إلى الأرض ، لا سيما عند سجوده ، وقال الشاعر : [ الطويل ]
فخروا لأذقان الوجوه تنوشهم * سباع من الطير العوادي وتنتف
و
إِنْ
في قوله
إِنْ كانَ
هي عند سيبويه المخففة من الثقيلة ، واللام بعدها لام التوكيد ، وهي عند الفراء النافية ، واللام بمعنى إلّا ، ويتوجه في هذه الآية معنى آخر وهو أن يكون قوله
آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا
مخلصا للوعيد دون التحقير ، والمعنى فسترون ما تجازون به ، ثم ضرب لهم المثل على جهة التقريع بمن تقدم من أهل الكتاب ، أي أن الناس لم يكونوا كما أنتم في الكفر ، بل الذين أوتوا التوراة والإنجيل والزبور والكتب المنزلة في الجملة ،
إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ
ما نزل عليهم خشعوا وآمنوا . قوله عزّ وجل :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 109 إلى 111 ]

وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ( 109 ) قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً ( 110 ) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً ( 111 )
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 491 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى