تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 447

مساهمون:

ص٤٤٧
قال القاضي أبو محمد : وروى بعض العلماء أن هذه الدرجات والتفضيل إنما هو فيما بين المؤمنين ، وأسند الطبري في ذلك حديثا نصه أن بين أعلى الجنة وأسفلها درجة كالنجم يرى في مشارق الأرض ومغاربها . قال القاضي أبو محمد : ولكن قد رضي اللّه الجميع فما يغبط أحد أحدا ، ولا يتمنى ذلك بدلا ، وقوله
لا تَجْعَلْ
الآية ، الخطاب لمحمد عليه السلام ، والمراد لجميع الخلق قاله الطبري وغيره ، والذم هنا لاحق من اللّه تعالى ومن ذوي العقول في أن يكون الإنسان يجعل عودا أو حجرا أفضل من نفسه ، ويخصه بالكرامة وينسب إليه الألوهية ويشركه مع اللّه الذي خلقه ورزقه وأنعم عليه ، و « الخذلان » في هذا يكون بإسلام اللّه وأن لا يكفل له بنصر ، و « المخذول » الذي لا ينصره من يحب أن ينصره . والخاذل من الظبا التي تترك ولدها ، ومن هذه اللفظة قول الراعي :
قتلوا ابن عفان الخليفة محرما * وسعى فلم أر مثله مخذولا
قوله عزّ وجل :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 23 إلى 25 ]

وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً ( 23 ) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً ( 24 ) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً ( 25 )
قَضى
في هذه الآية هي بمعنى أمر وألزم وأوجب عليكم وهكذا قال الناس ، وأقول إن المعنى
وَقَضى رَبُّكَ
أمره
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
وليس في هذه الألفاظ الأمر بالاقتصار على عبادة اللّه فذلك هو المقضي لا نفس العبادة ، وقضى في كلام العرب أتم المقضي محكما ، والمقضي هنا هو الأمر ، وفي مصحف ابن مسعود « ووصى ربك » وهي قراءة أصحابه ، وقراءة ابن عباس والنخعي وسعيد بن جبير وميمون بن مهران وكذلك عند أبي بن كعب ، وقال الضحاك تصحف على قوم وصى ب « قضى » حين اختلطت الواو بالصاد وقت كتب المصحف . قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف وإنما القراءة مروية بسند ، وقد ذكر أبو حاتم عن ابن عباس مثل قول الضحاك ، وقال عن ميمون بن مهران : إنه قال إن على قول ابن عباس لنورا ، قال اللّه تعالى
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
[ الشورى : 13 ] ثم ضعف أبو حاتم أن يكون ابن عباس قال ذلك ، وقال لو قلنا هذا الطعن الزنادقة في مصحفنا ، والضمير في
تَعْبُدُوا
لجميع الخلق ، وعلى هذا التأويل مضى السلف والجمهور ، وسأل الحسن بن أبي الحسن رجل فقال له : إنه طلق امرأته ثلاثا فقال له الحسن : عصيت ربك وبانت منك امرأتك ، فقال له الرجل قضي ذلك علي ، فقال له الحسن وكان فصيحا ، ما قضى اللّه أي ما أمر اللّه ، وقرأ هذه الآية ، فقال الناس : تكلم الحسن في القدر .