ومنه قول معاوية لعمر رضي اللّه عنه حين أمره بالاستقادة من لطمة عمرو بن العاص ، إن علي أميرا لا أقطع أمرا دونه ، أراد معاوية رضي اللّه عنه أباه وأراد الأعشى أنه إذا شاخ الإنسان وعمي واهتدى بالعصا أطاع كل من يأمره ، ومنه قول الآخر : [ الكامل ]
والناس يلحون الأمير إذ هم * خطئوا الصواب ولا يلام المرشد
وأيضا فلو أراد إمارة الملك في الآية لحسن المعنى ، لأن الأمة إذا ملك اللّه عليها مترفا ففسق ثم ولي مثله بعده ، ثم كذلك عظم الفساد وتوالى الكفر واستحقوا العذاب فنزل بهم على الرجل الأخير من ملوكهم ، وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر « أمرنا » بكسر الميم وحكاها النحاس عن ابن عباس ، ولا أتحقق وجها لهذه القراءة إلا إن كان أمر القوم يتعدى بلفظه ، فإن العرب تقول آمر بنو فلان إذا كثروا ، ومنه قول لبيد :
إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا * يوما يصيروا للقل والنفد
ومنه : لقد أمر أمر ابن أبي كبشة ، ورد القراء هذه القراءة ، وقد حكي أمر متعديا عن أبي زيد الأنصاري ، و « المترف » الغني من المال المتنعم ، والترفه النعمة ، وفي مصحف أبي بن كعب : « قرية بعثنا أكابر مجرميها فمكروا فيها » ، وقوله
فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ
أي وعيد اللّه لها الذي قاله رسولهم ، والتدمير الإهلاك ، مع طمس الآثار وهدم البناء ، ومنه قول الفرزدق : [ المتقارب ]
وكان لهم كبكر ثمود لمّا * رغا دهرا فدمرهم دمارا
وقوله
وَكَمْ أَهْلَكْنا
الآية
كَمْ
في موضع نصب ب
أَهْلَكْنا
وهذا الذكر لكثرة من أهلك اللّه
مِنَ الْقُرُونِ
مثال لقريش ووعيد ، أي لستم ببعيد مما حصلوا فيه من العذاب إذا أنتم كذبتم نبيكم ، واختلف الناس في القرن ، فقال ابن سيرين : عن النبي عليه السلام أربعون ، وقيل غير هذا مما هو قريب منه ، وقال عبد اللّه بن أبي أوفى القرن مائة وعشرون سنة ، وقالت طائفة القرن مائة سنة ، وهذا هو الأصح الذي يعضده الحديث في قوله عليه السلام « خير الناس قرني » ، وروى محمد بن القاسم في ختنه عبد اللّه بن بسر ، قال وضع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يده على رأسي ، وقال سيعيش هذا الغلام قرنا قلت : كم القرن ؟ قال مائة سنة ، قال محمد بن القاسم ، فما زلنا نعد له حتى أكمل مائة سنة ومات رحمه اللّه ، والباء في قوله
بِرَبِّكَ
زائدة التقدير وكفى بربك ، وهذه الباء إنما تجيء في الأغلب في مدح أو ذم وكأنها تعطي معنى اكتف بربك أي ما أكفاه في هذا ، وقد تجيء
كَفى
دون باء كقول الشاعر : [ الطويل ] كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا وكقول الآخر : [ الطويل ]
ويخبرني عن غائب الأمر هديه * كفى الهدي عما غيب المرء مخبرا
قوله عزّ وجل :