تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 446

مساهمون:

ص٤٤٦

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 18 إلى 22 ]

مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً ( 18 ) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ( 19 ) كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ( 20 ) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ( 21 ) لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً ( 22 ) المعنى من كان يريد الدنيا العاجلة ولا يعتقد غيرها ولا يؤمن بآخرة فهو يفرغ أمله ومعتقده للدنيا ، فإن اللّه يعجل لمن يريد من هؤلاء ما يشاء هذا المريد أو ما يشاء اللّه على قراءة من قرأ « نشاء » بالنون ، وقوله
لِمَنْ نُرِيدُ
شرط كاف على القراءتين ثم يجعل اللّه جهنم لجميع مريدي العاجلة على جهة الكفر من أعطاه فيها ما يشاء ومن حرمه ، قال أبو إسحاق الفزاري المعنى لمن نريد هلكته ، وقرأ الجمهور : « نشاء » بالنون ، وقرأ نافع أيضا « يشاء » بالياء ، و « المدحور » المهان المبعد المذلل المسخوط عليه ، وقوله
وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ
الآية ، المعنى ومن أراد الآخرة إرادة يقين بها وإيمان وبها وباللّه ورسالاته . قال القاضي أبو محمد : وذلك كله مرتبط متلازم ثم شرط في مريد الآخرة أن يسعى لها سعيها وهو ملازمة أعمال الخير وأقواله على حكم الشرع وطرقه ، فأولئك يشكر اللّه سعيهم ولا يشكر اللّه عملا ولا سعيا إلا أثاب عليه وغفر بسببه ، ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم في حديث الرجل الذي سقى الكلب العاطش فشكر اللّه له فغفر له ، وقوله
كُلًّا نُمِدُّ
الآية نصب
كُلًّا
ب
نُمِدُّ
، وأمددت الشيء إذا زدت فيه من غيره نوعه ، ومددته إذا زدت فيه من نوعه ، وقيل هما بمعنى واحد ، يقال مد وأمد . و
هؤُلاءِ
بدل من قوله
كُلًّا
فهو في موضع نصب ، وقوله
مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ
يحتمل أن يريد من الطاعات لمريدي الآخرة والمعاصي لمريدي العاجلة ، وروي هذا التأويل عن ابن عباس ، ويحتمل أن يريد ب « العطاء » رزق الدنيا ، وهذا هو تأويل الحسن بن أبي الحسن وقتادة ، أي إن اللّه تعالى يرزق في الدنيا مريدي الآخرة المؤمنين ومريدي العاجلة من الكافرين ويمدهم بعطائه منها وإنما يقع التفاضل والتباين في الآخرة ، ويتناسب هذا المعنى مع قوله
وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً
، أي إن رزقه في الدنيا لا يضيق عن مؤمن ولا كافر ، وقلما تصلح هذه العبارة لمن يمد بالمعاصي التي توبقه ، و « المحظور » الممنوع . وقوله
انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ
، آية تدل دلالة ما على أن العطاء في التي قبلها هو الرزق ، وفي ذلك يترتب أن ينظر محمد عليه السلام إلى تفضيل اللّه لبعض على بعض في الرزق ، ونحوه من الصور والشرف والجاه والحظوظ وبين أن يكون التفضيل الذي ينظر إليه النبي عليه السلام إن أعطى اللّه قوما الطاعات المؤدية إلى الجنة وأعطى آخرين الكفر المؤدي إلى النار ، وهذا قول الطبري : وهذا إنما هو النظر في تفضيل فريق على فريق ، وعلى التأويل الآخر فالنظر في تفضيل شخص على شخص من المؤمنين ومن الكافرين كيفما قرنتهما ثم أخبر عزّ وجل أن التفصيل الأكبر إنما يكون في الآخرة . وقوله
أَكْبَرُ دَرَجاتٍ
ليس في اللفظ من أي شيء لكنه في المعنى ولا بد ، أي
أَكْبَرُ دَرَجاتٍ
من كل ما يضاف بالوجود أو بالفرض إليها ، وكذلك قوله
أَكْبَرُ تَفْضِيلًا
.