تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 450

مساهمون:

ص٤٥٠
والمواساة عند الحاجة بالمال والمعونة بكل وجه ، قال بنحو هذا الحسن وعكرمة وابن عباس وغيرهم ، وقال علي بن الحسين في هذه : هم قرابة النبي عليه السلام ، أمر النبي عليه السلام بإعطائهم حقوقهم من بيت المال . قال القاضي أبو محمد : والقول الأول أبين ، ويعضده العطف ب
الْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ
.
وَابْنَ السَّبِيلِ
هنا يعم الغني والفقير إذ لكل واحد منهما حق وإن اختلفا ، « وابن السبيل » في آية الصدقة أخص ، و « التبذير » إنفاق المال في فساد أو في سرف في مباح ، وهو من البذر ، ويحتمل قوله تعالى :
الْمُبَذِّرِينَ
أن يكون اسم جنس ، ويحتمل أن يعني أهل مكة معينين ، وذكره النقاش ، وقوله تعالى :
إِخْوانَ
يعني أنهم في حكمهم ، إذ المبذر ساع في فساد والشيطان أبدا ساع في فساد ، و
إِخْوانَ
جمع أخ من غير النسب ، وقد يشذ ، ومنه قوله تعالى في سورة النور
أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ
[ النور : 31 ] والإخوة جمع أخ في النسب وقد يشذ ، ومنه قوله تبارك وتعالى :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
[ الحجرات : 10 ] وقرأ الحسن والضحاك « إخوان الشيطان » على الإفراد ، وكذلك في مصحف أنس بن مالك ، ثم ذكر تعالى كفر الشيطان ليقع التحذير من التشبه به في الإفساد مستوعبا بينا ، وقوله تعالى :
وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ
، الضمير في
عَنْهُمُ
عائد على من تقدم ذكره من المساكين وبني السبيل ، فأمر اللّه تعالى نبيه في هذه الآية إذا سأله منهم أحد ، فلم يجد عنده ما يعطيه فقابله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالإعراض تأدبا منه في أن لا يرده تصريحا ، وانتظار الرزق من اللّه تعالى يأتي فيعطي منه ، أن يكون يؤنسه بالقول الميسور ، وهو الذي فيه الترجية بفضل اللّه تعالى والتأنيس بالميعاد الحسن والدعاء في توسعة اللّه تبارك وتعالى وعطائه ، وروي أنه عليه السلام كان يقول بعد نزول هذه الآية ، إذا لم يكن عنده ما يعطي : يرزقنا اللّه وإياكم من فضله ، ف « الرحمة » على هذا التأويل الرزق المنتظر ، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة ، وقال ابن زيد « الرحمة » الأجر والثواب ، وإنما نزلت الآية في قوم كانوا يسألون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيأبى أن يعطيهم لأنه عليه الصلاة والسلام كان يعلم منهم نفقة المال في فساد ، فكان يعرض عنهم رغبة الأجر في منعهم لئلا يعينهم على فسادهم ، فأمره اللّه تعالى بأن يقول لهم
قَوْلًا مَيْسُوراً
يتضمن الدعاء في الفتح لهم والإصلاح . قال القاضي أبو محمد : وقال بعض أهل التأويل الأول ، نزلت الآية في عمار بن ياسر وصنفه ، و « الميسور » مفعول من لفظة اليسر ، تقول يسرت لك كذا إذا أعددته ، وقوله
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ
الآية ، روي عن قالون « كل البصط » بالصاد ، ورواه الأعشى عن أبي بكر ، واستعير لليد المقبوضة جملة عن الإنفاق المتصفة بالبخل « الغل إلى العنق » ، واستعير لليد التي تستنفد جميع ما عندها غاية البسط ضد الغل ، وكل هذا في إنفاق الخير ، وأما إنفاق الفساد فقليله وكثيره حرام ، وهذه الآية ينظر إليها قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « مثل البخيل والمتصدق » ، والحديث بكامله ، والعلامة هنا لاحقة ممن يطلب من المستحقين فلا يجد ما يعطي ، و « المسحور » المنفه الذي قد استنفدت قوته تقول حسرت البعير إذا أتعبته حتى لم تبق له قوة فهو حسير ، ومنه قول الشاعر : [ الطويل ]
لهد الوجى لم كن عونا على السرى * ولا زال منها ظالع وحسير