قوله عزّ وجل :
[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 12 إلى 14 ]
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً ( 12 ) وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً ( 13 ) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ( 14 )
« الآية » العلامة المنصوبة للنظر والعبرة ، وقوله
فَمَحَوْنا
قالت فرقة : سبب تعقيب الفاء أن اللّه تعالى خلق الشمس والقمر مضيئين فمحا بعد ذلك القمر محاه جبريل بجناحيه ثلاثة مرات فمن هنالك كلفه وكونه منيرا فقط ، وقالت فرقة ، وهو الظاهر : إن قوله
فَمَحَوْنا
إنما يريد في أصل خلقته ، وهذا كما تقول بنيت داري فبدأت بالأس ، ثم تابعت فلا تريد بالفاء التعقيب ، وظاهر لفظ الآية يقتضي أربع آيات لا سيما لمن بنى على أن القمر هو الممحو والشمس هي المبصرة ، فأما إن قدر الممحو في إظلام الليل والإبصار في ضوء النهار أمكن أن تتضمن الآية
آيَتَيْنِ
فقط ، على أن يكون فيها طرف من إضافة الشيء إلى نفسه ، وقوله
مُبْصِرَةً
مثل قولك ليل قائم ونائم أي ينام فيه ويقام ، فكذلك « آية مبصرة » أي يبصر بها ومعها ، وحكى الطبري عن بعض الكوفيين أنه قال : قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : سلوا عما شئتم فقال ابن الكوّاء : ما السواد الذي في القمر ؟ فقال له علي : قاتلك اللّه هلا سألت عن أم دينك وآخرتك ذلك محو الليل وجعل اللّه تعالى النهار مبصرا ليبتغي الناس الرزق ، وفصل اللّه ، وجعل القمر مخالفا للشمس ليعلم به العدد من السنين والحساب للأشهر وللأيام ، ومعرفة ذلك في الشرع إنما هو من جهة القمر لا من جهة الشمس ، وقوله
كُلَّ شَيْءٍ
منصوب بفعل مضمر يدل عليه الظاهر تقديره وفصلنا كل شيء فصلناه تفصيلا وقيل : و
كُلَّ
عطف على
وَالْحِسابَ
فهو معمول
لِتَعْلَمُوا
، والتفصيل البيان بأن تذكر فصول ما بين الأشياء وتزال أشباهها حتى يتميز الصواب من الشبه العارضة فيه ، وقوله
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ
الآية ، قوله
كُلَّ
منصوب بفعل مقدر ، وقرأ الحسن وأبو رجاء ومجاهد ؛ « طيره في عنقه » ، قال ابن عباس
طائِرَهُ
ما قدر له وعليه ، وخاطب اللّه العرب في هذه الآية بما تعرف ، وذلك أنه كان من عادتها التيمن والتشاؤم بالطير في كونها سانحة وبارحة وكثر ذلك حتى فعلته بالظباء وحيوان الفلاة ، وسميت ذلك كله تطيرا ، وكانت تعتقد أن تلك الطيرة قاضية بما يلقى الإنسان من خير وشر ، فأخبرهم اللّه تعالى في هذه الآية في أوجز لفظ وأبلغ إشارة أن جميع ما يلقى الإنسان من خير وشر قد سبق به القضاء . وألزم حظه وعمله وتكسبه في عنقه ، وروى جابر بن عبد اللّه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا عدوى ولا طيرة » .
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ
فعبر عن الحظ والعمل إذ هما متلازمان ب « الطائر » ، قال مجاهد وقتادة بحسب معتقد العرب في التطير ، وقولهم في أمور على الطائر الميمون ، وبأسعد طائر ومنه ما طار في المحاجة والسهم كقول أم العلاء الأنصارية فطار لنا من القادمين مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الهجرة عثمان بن مظعون ، أي كان ذلك حظنا ، وأصل هذا كله من الطير التي تقضي عندهم بلقاء الخير