تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
بهم مصائب ، والإعلام بأنها حسنى كيف تصرفت ، و
تَرَبَّصُونَ
معناه تنتظرون و « الحسنيان » الشهادة والظفر ، وقرأ ابن محيصن : « إلا احدى الحسنيين » بوصل ألف
إِحْدَى
. قال القاضي أبو محمد : وهذه لغة ليست بالقياس وهذا مثل قول الشاعر : [ الكامل ] يا أبا المغيرة رب أمر معضل وقول الآخر : [ الكامل ] إن لم أقاتل فالبسيني برقعا وقوله
بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ
، يريد الموت بأخذات الأسف ، ويحتمل أن يكون توعدا بعذاب الآخرة ، وقوله
أَوْ بِأَيْدِينا
، يريد القتل وقيل
بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ
يريد أنواع المصائب والقوارع وقوله :
فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ
وعيد وتهديد ، وقوله :
قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً
سببها : أن الجد بن قيس حين قال :
ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي
[ التوبة : 49 ] قال إني أعينك بمال فنزلت هذه الآية فيه وهي عامة بعده ، والطوع والكره يعمان كل إنفاق ، وقرأ ابن وثاب والأعمش « وكرها » بضم الكاف . قال القاضي أبو محمد : ويتصل هاهنا ذكر أفعال الكافر إذا كانت برا كصلة القرابة وجبر الكسير وإغاثة المظلوم هل ينتفع بها أم لا ، فاختصار القول في ذلك أن في صحيح مسلم عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « إن ثواب الكافر على أفعاله البرة هو في الطعمة يطعمها » ونحو ذلك ، فهذا مقنع لا يحتاج معه إلى نظر وأما ما ينتفع بها في الآخرة فلا ، دليل ذلك أن عائشة أم المؤمنين قالت للنبي صلى اللّه عليه وسلم يا رسول اللّه : أرأيت عبد اللّه بن جدعان أينفعه ما كان يطعم ويصنع من خير فقال : « لا إنه لم يقل يوما ، رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين » ، ودليل آخر في قول عمر رضي اللّه عنه لابنه : ذاك العاصي بن وائل لا جزاه اللّه خيرا وكان هذا القول بعد موت العاصي ، الحديث بطوله ، ودليل ثالث في حديث حكيم بن حزام على أحد التأويلين : أعني في قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : أسلمت على ما سلف لك من خير ، ولا حجة في أمر أبي طالب كونه في ضحضاح من نار لأن ذلك إنما هو بشفاعة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وبأنه وجده في غمرة من النار فأخرجه ، ولو فرضنا أن ذلك بأعماله لم يحتج إلى شفاعة ، وأما أفعال الكافر القبيحة فإنها تزيد في عذابه وبذلك هو تفاضلهم في عذاب جهنم ، وقوله :
أَنْفِقُوا
أمر في ضمنه جزاء وهذا مستمر في كل أمر معه جواب فالتقدير : إن تنفقوا لم يتقبل منكم ، وأما إذا عري الأمر من جواب فليس يصحبه تضمن الشرط . قوله عزّ وجل :

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 54 إلى 56 ]

وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ ( 54 ) فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ ( 55 ) وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ( 56 )