تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
المنافقين إذ لم يعطوا بحسب شطط آمالهم ، و
يَلْمِزُكَ
معناه يعيبك ويأخذ منك في الغيبة ومنه قول الشاعر : [ البسيط ]
إذا لقيتك تبدي لي مكاشرة * وأن أغيب فأنت الهامز اللمزة
ومنه قول رؤبة : [ الرجز ] في ظل عصري باطلي ولمزي والهمز أيضا في نحو ذلك ومنه قوله تعالى
وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ
[ الهمزة : 1 ] وقيل لبعض العرب : أتهمز الفأرة فقال : إنها تهمزها الهرة قال أبو علي : فجعل الأكل همزا ، وهذه استعارة كما استعار حسان بن ثابت الغرث في قوله : [ الطويل ] وتصبح غرثى من لحوم الغوافل تركيبا على استعارة الأكل في الغيبة . قال القاضي أبو محمد : ولم يجعل الأعرابي الهمز الأكل ، وإنما أراد ضربها إياها بالناب والظفر ، وقرأ جمهور الناس « يلمزك » بكسر الميم ، وقرأ ابن كثير فيما روى عنه حماد بن سلمة « يلمزك » بضم الميم ، وهي قراءة أهل مكة وقراءة الحسن وأبي رجاء وغيرهم ، وقرأ الأعمش « يلمّزك » ، وروى أيضا حماد بن سلمة عن ابن كثير « يلامزك » ، وهي مفاعلة من واحد لأنه فعل لم يقع من النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقوله
وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ
الآية ، وصف للحال التي ينبغي أن يكون عليها المستقيمون ، يقول تعالى : ولو أن هؤلاء المنافقين رضوا قسمة اللّه الرزق لهم وما أعطاهم على يدي رسوله ورجوا أنفسهم فضل اللّه ورسوله وأقروا بالرغبة إلى اللّه لكان خيرا لهم وأفضل مما هم فيه ، وحذف الجواب من الآية لدلالة ظاهر الكلام عليه ، وذلك من فصيح الكلام وإيجازه . قوله عزّ وجل :

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 60 ]

إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 60 )
إِنَّمَا
في هذه الآية حاصرة تقتضي وقوف
الصَّدَقاتُ
على الثمانية الأصناف ، وإنما اختلف في صورة القسمة فقال مالك وغيره : ذلك على قدر اجتهاد الإمام وبحسب أهل الحاجة ، وقال الشافعي : هي ثمانية أقسام على ثمانية أصناف لا يخل بواحد منها إلا أن
الْمُؤَلَّفَةِ
انقطعوا . قال القاضي أبو محمد : ويقول صاحب هذا القول : إنه لا يجزئ المتصدق والقاسم من كل صنف أقل من ثلاثة ، وأما الفقير والمسكين فقال الأصمعي وغيره : الفقير أبلغ فاقة وقال غيرهم : المسكين أبلغ فاقة .
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 47 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى