تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
« الملجأ » من لجأ يلجأ إذا أوى واعتصم ، وقرأ جمهور الناس « أو مغارات » بفتح الميم ، وقرأ سعيد بن عبد الرحمن بن عوف « أو مغارات » بضم الميم وهي الغيران في أعراض الجبال ففتح الميم من غار الشيء إذا دخل كما تقول غارت العين إذا دخلت في الحجاج ، وضم الميم من أغار الشيء غيره إذا أدخله ، فهذا وجه من اشتقاق اللفظة ، وقيل إن العرب تقول : غار الرجل وأغار بمعنى واحد أي دخل ، قال الزجّاج : إذا دخل الغور فيحتمل أن تكون اللفظة أيضا من هذا . قال القاضي أبو محمد : ويصح في قراءة ضم الميم أن تكون من قولهم حبل مغار أي مفتول ثم يستعار ذلك في الأمر المحكم المبروم ، فيجيء التأويل على هذا : لو يجدون عصرة أو أمورا مرتبطة مشددة تعصمهم منكم أو مدخلا لولوا إليه ، وقرأ جمهور الناس « أو مدخلا » أصله مفتعل وهو بناء تأكيد ومبالغة ومعناه السرب والنفق في الأرض ، وبما ذكرناه في الملجأ والمغارات ، « والمدخل » فسر ابن عباس رضي اللّه عنه ، وقال الزجّاج « المدخل » معناه قوما يدخلونهم في جملتهم وقرأ مسلمة بن محارب والحسن وابن أبي إسحاق وابن محيصن وابن كثير بخلاف عنه « أو مدخلا » فهذا من دخل وقرأ قتادة وعيسى بن عمر والأعمش « أو مدخلا » بتشديدهما وقرأ أبي بن كعب « مندخلا » قال أبو الفتح هذا كقول الشاعر [ الكميت ] : [ البسيط ] ولا يدي في حميت السمن تندخل قال القاضي أبو محمد : وقال أبو حاتم : قراءة أبي بن كعب « متدخلا » بتاء مفتوحة ، وروي عن الأعمش وعيسى « مدخلا » بضم الميم فهو من أدخل ، وقرأ الناس « لولوا » وقرأ جد أبي عبيدة بن قرمل « لوالوا » من الموالاة ، وأنكرها سعيد بن مسلم وقال : أظن لوالوا بمعنى للجئوا ، وقرأ جمهور الناس ، « يجمحون » معناه يسرعون مصممين غير منثنين ، ومنه قول مهلهل : [ البسيط ]
لقد جمحت جماحا في دمائهم * حتى رأيت ذوي أحسابهم خمدوا
وقرأ أنس بن مالك « يجمزون » ومعناه يهربون ، ومنه قولهم في حديث الرجم : فلما إذ لقته الحجارة جمزة ، وقوله تعالى :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ
الآية ، الضمير في قوله
وَمِنْهُمْ
عائد على المنافقين ، وأسند الطبري إلى أبي سعيد الخدري أنه قال : جاء ابن ذي الخويصرة التميمي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقسم قسما فقال : اعدل يا محمد الحديث المشهور بطوله ، وفيه قال أبو سعيد : فنزلت في ذلك
وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ
، وروى داود بن أبي عاصم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أتي بصدقة فقسمها ووراءه رجل من الأنصار فقال : ما هذا بالعدل فنزلت الآية . قال القاضي أبو محمد : وهذه نزعة منافق ، وكذلك روي من غير ما طريق أن الآية نزلت بسبب كلام