تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
والثالث : أن توصف الرياح ب
لَواقِحَ
على جهة النسب ، أي ذات لقح ، كقول النابغة : كليني لهم يا أميمة ناصب أي ذي نصب . والرابع : أن تكون
لَواقِحَ
جمع ملقحة على حذف زوائده ، فكأنه لقحة ، فجمعها كما تجمع لاقحة ، ومثله قول الشاعر [ سيبويه ] : [ الطويل ]
ليبك يزيد ضارع لخصومة * وأشعث ممن طوحته الطوائح
وإنما طوحته المطاوح ، وعلى هذا النحو فسرها أبو عبيدة في قوله :
لَواقِحَ
ملاقح ، وكذلك العبارة عنها في كتاب البخاري : لواقح ملاقح ملقحة . وقرأ الجمهور « الرياح » بالجمع ، وقرأ الكوفيون - حمزة وطلحة بن مصرف والأعمش ويحيى بن وثاب - « الريح » بالإفراد ، وهي للجنس ، فهي في معنى الجمع ، ومثلها الطبري بقولهم : « قميص أخلاق وأرض أغفال » . قال القاضي أبو محمد : وهذا كله من حيث هو أجزاء كثيرة تجمع صفته ، فكذلك ريح لواقح لأنها متفرقة الهبوب ، وكذلك : دار بلاقع ، أي كل موضع منها بلقع . وقال الأعمش : إن في قراءة عبد اللّه « وأرسلنا الرياح يلقحن » ، وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « الريح من نفس الرحمن » ، ومعنى الإضافة هنا هي من إضافة خلق إلى خالق ، كما قال :
مِنْ رُوحِي
[ الحجر : 29 ] ومعنى نفس الرحمن : أي من تنفيسه وإزالته الكرائب والشدائد . فمن التنفس بالريح النصر بالصبا وذرو الأرزاق بها ، وما لها من الخدمة في الأرزاق وجلب الأمطار وغير ذلك مما يكثر عده . ولقد حدثت أن ابن أبي قحافة رحمه اللّه فسر هذا الحديث بنحو هذا وأنشد في تفسيره : [ الطويل ]
فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت * على نفس محزون تجلت همومها
وهذا من جملة التنفيس والعرب تقول : أسقى وسقى بمعنى واحد ، وقال لبيد : [ الوافر ]
سقى قومي بني مجد وأسقى * نميرا ، والقبائل من هلال
فجاء باللغتين ، وقال أبو عبيدة : أما إذا كان من سقي الشفة خاصة فلا يقال إلا سقى ، وأما إذا كان لسقي الأرض والثمار وجملة الأشياء فيقال : أسقى ، وأما الداعي لأرض أو غيرها بالسقي ، فإنما يقال فيه : أسقى ، ومنه قول ذي الرمة : [ الطويل ]
وقفت على رسم لمية ناقتي * فما زلت أبكي عنده وأخاطبه
وأسقيه حتى كاد مما أبثه * تكلمني أحجاره وملاعبه
قال القاضي أبو محمد : على أن بيت لبيد دعاء ، وفيه اللغتان . وقوله تعالى :
وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ
الآيات ، هذه الآيات مع الآيات التي قبلها تضمنت العبرة والدلالة على قدرة اللّه تعالى وما يوجب توحيده وعبادته ، فمعنى هذه : وإنا لنحن نحيي من نشاء بإخراجه