تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
وقوله :
وَآتاكُمْ
للجنس من البشر ، أي إن الإنسان بجملته قد أوتي من كل ما شأنه أن يسأل وينتفع به ، ولا يطرد هذا في واحد من الناس وإنما تفرقت هذه النعم في البشر ، فيقال - بحسب هذا - للجميع أوتيتم كذا - على جهة التعديد للنعمة - وقيل المعنى :
وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ
أن لو سألتموه . قال القاضي أبو محمد : وهذا قريب من الأول . و
ما
في قوله :
ما سَأَلْتُمُوهُ
يصح أن تكون مصدرية ، ويكون الضمير في قوله :
سَأَلْتُمُوهُ
عائدا على اللّه تعالى : ويصح أن يكون
ما
بمعنى الذي ، ويكون الضمير عائدا على الذي . وقرأ الضحاك بن مزاحم « من كلّ ما سألتموه » بتنوين « كل » وهي قراءة الحسن وقتادة وسلام ، ورويت عن نافع ، المعنى : وآتاكم من كل هذه المخلوقات المذكورات قبل . ما من شأنه أن يسأل لمعنى الانتفاع به . ف
ما
في قوله :
ما سَأَلْتُمُوهُ
مفعول ثان ب
آتاكُمْ
وقال بعض الناس :
ما
نافية على هذه القراءة أي أعطاكم من كل شيء لم يعرض له . قال القاضي أبو محمد : وهذا تفسير الضحاك . وأما القراءة الأولى بإضافة
كُلِّ
إلى
ما
- فلا بد من تقدير المفعول الثاني جزءا أو شيئا ونحو هذا . وقوله :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
أي لكثرتها وعظمها في الحواس والقوى والإيجاد بعد العدم والهداية للإيمان وغير ذلك . وقال طلق بن حبيب : إن حق اللّه تعالى أثقل من أن يقوم به العباد ، ونعمه أكثر من أن يحصيها العباد . ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين وقال أبو الدرداء : من لم ير نعمة اللّه عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قل علمه وحضر عذابه . وقوله :
إِنَّ الْإِنْسانَ
يريد به النوع والجنس المعنى : توجد فيه هذه الخلال وهي الظلم والكفر ، فإن كانت هذه الخلال من جاحد فهي بصفة وإن كانت من عاص فهي بصفة أخرى . قوله عزّ وجل :

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 35 إلى 37 ]

وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ( 35 ) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 36 ) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ( 37 ) المعنى : واذكر إذ قال إبراهيم ، و
الْبَلَدَ
: مكة ، و
آمِناً
معناه فيه أمن ، فوصفه بالأمن تجوزا - كما قال :
فِي يَوْمٍ عاصِفٍ
[ إبراهيم : 18 ] ، وكما قال الشاعر : وما ليل المطي بنائم