القول
الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
، كلمة الإخلاص والنجاة من النار : لا إله إلا اللّه ، والإقرار بالنبوة .
وهذه الآية تعم العالم من لدن آدم عليه السلام إلى يوم القيامة ، وقال طاوس وقتادة وجمهور العلماء :
الْحَياةِ الدُّنْيا
هي مدة حياة الإنسان .
وَفِي الْآخِرَةِ
هي وقت سؤاله في قبره . وقال البراء بن عازب وجماعة
فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
هي وقت سؤاله في قبره - ورواه البراء عن النبي عليه السلام في لفظ متأول .
قال القاضي أبو محمد : ووجه القول لأن ذلك في مدة وجود الدنيا .
وقوله
فِي الْآخِرَةِ
هو يوم القيامة عند العرض .
قال القاضي أبو محمد : والأول أحسن ، ورجحه الطبري .
و
الظَّالِمِينَ
في هذه الآية ، الكافرين ، بدليل أنه عادل بهم المؤمنين ، وعادل التثبيت بالإضلال ، وقوله :
وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ
تقرير لهذا التقسيم المتقدم ، كأن امرأ رأى التقسيم فطلب في نفسه علته ، فقيل له :
وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ
بحق الملك .
وفي هذه الآية رد على القدرية .
وذكر الطبري في صفة مساءلة العبد في قبره أحاديث ، منها ما وقع في الصحيح . وهي من عقائد الدين ، وأنكرت ذلك المعتزلة . ولم تقل بأن العبد يسأل في قبره ، وجماعة السنة تقول : إن اللّه يخلق له في قبره إدراكات وتحصيلا ، إما بحياة كالمتعارفة ، وإما بحضور النفس وإن لم تتلبس بالجسد كالعرف ، كل هذا جائز في قدرة اللّه تعالى ، غير أن في الأحاديث : « إنه يسمع خفق النعال » ، ومنها : « إنه يرى الضوء كأن الشمس دنت للغروب » ، وفيها : « إنه ليراجع » ، وفيها : « فيعاد روحه إلى جسده » ، وهذا كله يتضمن الحياة - فسبحان رب هذه القدرة .
وقوله :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً
الآية ، هذا تنبيه على مثال من ظالمين أضلوا ، والتقدير : بدلوا شكر نعمة اللّه كفرا ، وهذا كقوله :
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ
[ الواقعة : 82 ] .
و
نِعْمَتَ اللَّهِ
المشار إليها في هذه الآية هو محمد عليه السلام ودينه ، أنعم اللّه به على قريش ، فكفروا النعمة ولم يقبلوها ، وتبدلوا بها الكفر .
والمراد ب
الَّذِينَ
كفرة قريش جملة - هذا بحسب ما اشتهر من حالهم - وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين . وروي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب : أنها نزلت في الأفجرين من قريش :
بني مخزوم وبني أمية . قال عمر : فأما بنو المغيرة فكفوا يوم بدر . وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين ، وقال ابن عباس : هذه الآية في جبلة بن الأيهم .
قال القاضي أبو محمد : ولم يرد ابن عباس أنها فيه نزلت لأن نزول الآية قبل قصته ، وإنما أراد أنها تحصر من فعل جبلة إلى يوم القيامة .