تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
المعنى : أنه لما ساء ظنه بهم ولم يصدق قولهم بل استراب به ،
تَوَلَّى عَنْهُمْ
أي زال بوجهه عنهم وجعل يتفجع ويتأسف ، قال الحسن : خصت هذه الأمة بالاسترجاع ألا ترى إلى قول يعقوب :
يا أَسَفى
. قال القاضي أبو محمد : والمراد : « يا أسفي » . لكن هذه لغة من يرد ياء الإضافة ألفا نحو : يا غلاما ويا أبتا ، ونادى الأسف على معنى احضر فهذا من أوقاتك . وقيل : قوله :
يا أَسَفى
على جهة الندبة ، وحذف الهاء التي هي في الندبة علامة المبالغة في الحزن تجلدا منه عليه السلام ، إذ كان قد ارتبط إلى الصبر الجميل ، وقيل : قوله :
يا أَسَفى
نداء فيه استغاثة . قال القاضي أبو محمد : ولا يبعد أن يجتمع الاسترجاع و
يا أَسَفى
لهذه الأمة وليعقوب عليه السلام .
وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ
أي من ملازمة البكاء الذي هو ثمرة الحزن ، وروي « أن يعقوب عليه السلام حزن حزن سبعين ثكلى وأعطي أجر مائة شهيد وما ساء ظنه باللّه قط » ، رواه الحسن عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . وقرأ ابن عباس ومجاهد « من الحزن » بفتح الحاء والزاي ، وقرأ قتادة بضمهما وقرأ الجمهور بضم الحاء وسكون الزاي . وهو
كَظِيمٌ
بمعنى كاظم ، كما قال
وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ
[ آل عمران : 134 ] ، ووصف يعقوب بذلك لأنه لم يشك إلى أحد ، وإنما كان يكمد في نفسه ويمسك همه في صدره ، وكان يكظمه أي يرده إلى قلبه ولا يرسله بالشكوى والغضب والفجر . وقال ناس :
كَظِيمٌ
بمعني : مكظوم . قال القاضي أبو محمد : وقد وصف اللّه تعالى يونس عليه السلام بمكظوم في قوله
إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ
[ القلم : 48 ] وهذا إنما يتجه على تقدير أنه مليء بحزنه ، فكأنه كظم بثه في صدره ، وجري كظيم على باب كاظم أبين . وفسر ناس « الكظيم » بالمكروب وبالمكمود - وذلك كله متقارب - وقال منذر بن سعيد : الأسف إذا كان من جهة من هو أقل من الإنسان فهو غضب ، ومنه قول اللّه تعالى :
فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ
[ الزخرف : 55 ] ومنه قول الرجل الذي ذهبت لخادمه الشاة من الغنم : فأسفت فلطمتها ؛ وإذا كان من جهة لا يطيقها فهو حزن وهم . قال القاضي أبو محمد : وتحرير هذا المنزع : أن الأسف يقال في الغضب ويقال في الحزن ، وكل واحد من هذين يحزر حاله التي يقال عليها ، وقوله تعالى :
قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا
الآية ، المعنى تاللّه لا تفتأ فتحذف لا في هذه الموضع من القسم لدلالة الكلام عليها فمن ذلك قول امرئ القيس : [ الطويل ]
فقلت يمين اللّه أبرح قاعدا * ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
ومنه قول الآخر :
تاللّه يبقى على الأيام ذو حيد * بمشمخر به الظيان والآس