تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
عندك إلا بما علمناه من ظاهر حاله ، وما كنا بالليل حافظين لما يقع من سرقته هو أو التدليس عليه . ثم استشهدوا بأهل القرية التي كانوا فيها - وهي مصر ، قاله ابن عباس وغيره ، وهذا مجاز ، والمراد أهلها ، وكذلك قوله :
وَالْعِيرَ
، هذا قول الجمهور ، وهو الصحيح ، وحكى أبو المعالي في التلخيص عن بعض المتكلمين أنه قال : هذا من الحذف وليس من المجاز ، قال : وإنما المجاز لفظة تستعار لغير ما هي له . قال القاضي أبو محمد : وحذف المضاف هو عين المجاز وعظمه - هذا مذهب سيبويه وغيره من أهل النظر - وليس كل حذف مجازا ، ورجح أبو المعالي - في هذه الآية - أنه مجاز ، وحكى أنه قول الجمهور أو نحو هذا . وقالت فرقة : بل أحالوه على سؤال الجمادات والبهائم حقيقة ، ومن حيث هو نبي فلا يبعد أن تخبره بالحقيقة . قال القاضي أبو محمد : وهذا وإن جوز فبعيد ، والأول أقوى ، وهنا كلام مقدر يقتضيه الظاهر ، تقديره : فلما قالوا هذه المقالة لأبيهم قال :
بَلْ سَوَّلَتْ
، وهذا على أن يتصل كلام كبيرهم إلى هنا ، ومن يرى أن كلام كبيرهم تم في قوله :
إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ
، فإنه يجعل الكلام هنالك تقديره : فلما رجعوا قالوا :
إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ
الآية . والظاهر أن قوله :
بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً
. إنما هو ظن سئ بهم ، كما كان في قصة يوسف قبل ، فاتفق أن صدق ظنه هناك ، ولم يتحقق هنا ، و
سَوَّلَتْ
معناه : زينت وخيلت وجعلته سولا ، والسول ما يتمناه الإنسان ويحرص عليه . وقوله :
فَصَبْرٌ جَمِيلٌ
إما ابتداء وخبره أمثل أو أولى ، وحسن الابتداء بالنكرة من حيث وصفت . وإما خبر ابتداء تقديره ، فأمري أو شأني ، أو صبري صبر جميل ؛ وهذا أليق بالنكرة أن تكون خبرا ، ومعنى وصفه بالجمال : أنه ليس فيه شكوى إلى بشر ولا ضجر بقضاء اللّه تعالى . ثم ترجى عليه السلام من اللّه أن يجبرهم عليه وهم يوسف وبنيامين وروبيل الذي لم يبرح الأرض ، ورجاؤه هذا من جهات : إحداها : الرؤيا التي رأى يوسف فكان يعقوب ينتظرها . والثانية : حسن ظنه باللّه تعالى في كل حال . والثالثة : ما أخبروه به عن ملك مصر أنه يدعو له برؤية ابنه فوقع له - من هنا - تحسس ورجاء . والوصف « بالعلم والإحكام » لائق بما يرجوه من لقاء بنيه ، وفيها تسليم لحكمة اللّه تعالى في جميع ما جرى عليه . قوله عزّ وجل :

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 84 إلى 86 ]

وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ( 84 ) قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ ( 85 ) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 86 )