وقولهم :
إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
، يحتمل أن يريدوا وصفه بما رأوه من إحسانه في جميع أفعاله - معهم ومع غيرهم - ويحتمل أن يريدوا : إنا نرى لك إحسانا علينا في هذه اليد إن أسديتها إلينا - وهذا تأويل ابن إسحاق .
و
مَعاذَ
نصب على المصدر ، ولا يجوز إظهار الفعل معه ، والظلم في قوله :
لَظالِمُونَ
على حقيقته ، إذ هو وضع الشيء في غير موضعه ، وذكر الطبري أنه روي أن يوسف أيأسهم بلفظه هذا ، قال لهم : إذا أتيتم أباكم فاقرءوا عليه السلام ، وقولوا له : إن ملك مصر يدعو لك ألا تموت حتى ترى ولدك يوسف ، ليعلم أن في أرض مصر صديقين مثله .
وقوله :
فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ
الآية ، يقال : يئس واستيأس بمعنى واحد ، كما يقال : سخر واستسخر ، ومنه قوله تعالى :
يَسْتَسْخِرُونَ
[ الصافات : 14 ] وكما يقال : عجب واستعجب ، ومنه قول أوس بن حجر : [ الطويل ]
ومستعجب مما يرى من أناتنا * ولو زبنته الحرب لم يترمرم
ومنه نوك واستنوك - وعلى هذا يجيء قول الشاعر في بعض التأويلات : واستنوكت وللشباب نوك .
وهذه قراءة الجمهور ، وقرأ ابن كثير : « استأيسوا » و « لا تأيسوا » و « لا يأيس » و « حتى إذا استأيس الرسل » أصله استأيسوا - استفعلوا - ومن أيس - على قلب الفعل من يئس إلى أيس ، وليس هذا كجذب وجبذ بل هذان أصلان والأول قلب ، دل على ذلك أن المصدر من يئس وأيس واحد ، وهو اليأس ، ولجذب وجبذ مصدران .
وقوله :
خَلَصُوا نَجِيًّا
معناه انفردوا عن غيرهم يناجي بعضهم بعضا ، والنجي لفظ يوصف به من له نجوى واحدا أو جماعة أو مؤنثا أو مذكرا ، فهو مثل عدو وعدل ، وجمعه أنجية ، قال لبيد :
وشهدت أنجية الأفاقة عاليا * كعبي وأرداف الملوك شهود
و
كَبِيرُهُمْ
قال مجاهد : هو شمعون لأنه كان كبيرهم رأيا وتدبيرا وعلما - وإن كان روبيل أسنهم - وقال قتادة : هو روبيل لأنه أسنهم ، وهذا أظهر ورجحه الطبري . وقال السدي : معنى الآية : وقال كبيرهم في العلم ، وذكرهم أخوهم الميثاق في قوله يعقوب
لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ
[ يوسف : 66 ] .
وقوله :
ما فَرَّطْتُمْ
يصح أن تكون
ما
صلة في الكلام لا موضع لها من الإعراب . ويصح أن تكون في موضع رفع بالابتداء والخبر قوله :
فِي يُوسُفَ
- كذا قال أبو علي - ولا يجوز أن يكون قوله :
مِنْ قَبْلُ
متعلقا ب
فَرَّطْتُمْ
.
قال القاضي أبو محمد : وإنما تكون - على هذا - مصدرية ، التقدير : من قبل تفريطكم في يوسف واقع أو مستقر ، وبهذا المقدر يتعلق قوله :
مِنْ قَبْلُ
. ويصح أن يكون في موضع نصب عطفا ، على أن التقدير : وتعلموا تفريطكم أو وتعلموا الذي فرطتم ، فيصح - على هذا الوجه - أن يكون بمعنى الذي ويصح أن تكون مصدرية .