تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
كان مما لا علم للحاضرين به ، ثم ألصقوه ببنيامين ، إذ كان شقيقه ، ويحتمل قولهم :
إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ
تأويلين . أحدهما : أنهم حققوا السرقة في جانب بنيامين ويوسف عليهما السلام ، بحسب ظاهر الحكم ، فكأنهم قالوا : إن كان قد سرق فغير بدع من ابني راحيل ، لأن أخاه يوسف كان قد سرق . فهذا من الإخوة إنحاء على ابني راحيل : يوسف وبنيامين . والوجه الآخر الذي يحتمله لفظهم يتضمن أن السرقة في جانب يوسف وبنيامين - مظنونة - كأنهم قالوا : إن كان هذا الذي رمي به بنيامين حقا في نفسه فالذي رمي به يوسف قبل حق إذا ، وكأن قصة يوسف والظن به قوي عندهم بما ظهر في جهة وبنيامين . وقال بعض المفسرين : التقدير : فقد قيل عن يوسف إنه سرق ، ونحو هذا من الأقوال التي لا ينطبق معناها على لفظ الآية . وهذه الأقوال منهم عليهم السلام إنما كانت بحسب الظاهر وموجب الحكم في النازلتين ، فلم يقعوا في غيبة ليوسف ، وإنما قصدوا الإخبار بأمر جرى ليزول بعض المعرة عنهم ، ويختص بها هذان الشقيقان . وأما ما روي في سرقة يوسف فثلاثة وجوه : الجمهور منها على أن عمته كانت ربته ، فلما شب أراد يعقوب أخذه منها ، فولعت به وأشفقت من فراقه ، فأخذت منطقة إسحاق - وكانت متوارثة عندهم - فنطقته بها من تحت ثيابه ، ثم صاحت وقالت : إني قد فقدت المنطقة ويوسف قد خرج بها ، ففتشت فوجدت عنده ، فاسترقّته - حسبما كان في شرعه - وبقي عندها حتى ماتت فصار عند أبيه . وقال ابن إدريس عن أبيه : إنما أكل بنو يعقوب طعاما فأخذ يوسف عرقا فخبأه فرموه لذلك بالسرقة ، وقال سعيد بن جبير وقتادة : إنما أمرته أمه أن يسرق صنما لأبيها ، فسرقه وكسره ، وكان ذلك - منها ومنه - تغييرا للمنكر ، فرموه لذلك بالسرقة ، وفي كتاب الزجاج : أنه كان صنم ذهب . والضمير في قوله :
فَأَسَرَّها
عائد يراد به الحزة التي حدثت في نفس يعقوب من قولهم ، والكلام يتضمنها ، وهذا كما تضمن الكلام الضمير الذي في قول حاتم :
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
وهذا كقوله تعالى :
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
[ النحل : 110 ] فهي مراد بها الحالة المتحصلة من هذه الأفعال . وقال قوم : أسر المجازاة ، وقال قوم : أسر الحجة ، وما قدمناه أليق . وقرأ ابن أبي عبلة : « فأسره يوسف » بضمير تذكير . وقوله :
أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً
الآية ، الظاهر منه أنه قالها إفصاحا فكأنه أسر لهم كراهية مقالتهم ثم تجهمهم بقوله :
أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً
أي لسوء أفعالكم ، واللّه يعلم إن كان ما وصفتموه حقا ، وفي اللفظ إشارة إلى تكذيبهم ، ومما يقوي هذا عندي أنهم تركوا الشفاعة بأنفسهم وعدلوا إلى الشفاعة بالشيخ صلى