وهو أمر لا يتلقى إلا من جهة اللّه عزّ وجل ونحو هذا قال ابن عباس وحذيفة بن اليمان وأبو العالية ، وحكى الطبري أن عدي بن حاتم قال : جئت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفي عنقي صليب ذهب ، فقال : يا عدي اطرح هذا الصليب من عنقك ، فسمعته يقرأ
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
، فقلت يا رسول اللّه وكيف ولم نعبدهم ؟ فقال أليس تستحلون ما أحلوا وتحرمون ما حرموا قلت نعم . قال فذاك ،
وَالْمَسِيحَ
عطف على الأحبار والرهبان ، و
سُبْحانَهُ
نصب على المصدر والعامل فيه فعل من المعنى لأنه ليس من لفظ سبحان فعل ، والتقدير أنزهه تنزيها ، فمعنى
سُبْحانَهُ
تنزيها له ، واحتج من يقول إن أهل الكتاب مشركون بقوله تعالى
عَمَّا يُشْرِكُونَ
، والغير يقول إن اتخاذ هؤلاء الأرباب ضرب ما من الإشراك وقد يقال في المرائي إنه أشرك وفي ذلك آثار ، وقوله تعالى :
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ
الآية ،
نُورَ اللَّهِ
في هذه الآية هداه الصادر عن القرآن والشرع المثبت في قلوب الناس فمن حيث سماه نورا سمي محاولة إفساده والصد في وجهه إطفاء ، وقالت فرقة : النور القرآن .
قال القاضي أبو محمد : ولا معنى لتخصيص شيء مما يدخل تحت المقصود بالنور ، وقوله
بِأَفْواهِهِمْ
عبارة عن قلة حيلتهم وضعفها ، أخبر عنهم أنهم يحاولون مقاومة أمر جسيم بسعي ضعيف فكان الإطفاء بنفخ الأفواه ، ويحتمل أن يراد بأقوال لا برهان عليها فهي لا تجاوز الأفواه إلى فهم سامع ، وقوله
وَيَأْبَى
إيجاب يقع بعده أحيانا إلا وذلك لوقوعه هو موقع الفعل المنفي ، لأن التقدير ولا يريد اللّه إلا أن يتم نوره وقال الفراء : هو إيجاب فيه طرف من النفي ، ورد الزجاج على هذه العبارة وبيانه ما قلناه ، وقوله تعالى :
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ
الآية ،
رَسُولَهُ
يراد به محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقوله
بِالْهُدى
يعم القرآن وجميع الشرع ، وقوله
وَدِينِ الْحَقِّ
إشارة إلى الإسلام والملة بجمعها وهي الحنيفية ، وقوله
لِيُظْهِرَهُ
قال أبو هريرة وأبو جعفر محمد بن علي وجابر بن عبد اللّه ما معناه :
إن الضمير عائد على الدين وإظهاره عند نزول عيسى ابن مريم وكون الأديان كلها راجعة إلى دين الإسلام فذلك إظهاره .
قال القاضي أبو محمد : فكأن هذه الفرقة رأت الإظهار على أتم وجوهه أي حتى لا يبقى معه دين آخر ، وقالت فرقة
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ
أي ليجعله أعلاها وأظهرها وإن كان معه غيره كان دونه .
قال القاضي أبو محمد : فهذا لا يحتاج إلى نزول عيسى بل كان هذا في صدر الأمة وهو حتى الآن إن شاء اللّه وقالت فرقة : الضمير عائد على الرسول ، ومعنى
لِيُظْهِرَهُ
ليطلعه ويعلمه الشرائع كلها والحلال والحرام .
قال القاضي أبو محمد : وهذا التأويل وإن كان صحيحا جائزا فالآخر أبرع منه وأليق بنظام الآية وأحرى مع كراهية المشركين ، وخص
الْمُشْرِكُونَ
هنا بالذكر لما كانت كراهية مختصة بظهور دين محمد صلى اللّه عليه وسلم فذكره العظم والأول ممن كره ذلك وصد فيه ، وذكر الكافرون في الآية قبل لأنها كراهية إتمام نور اللّه في قديم الدهر وفي باقية فعم الكفر من لدن خلق الدنيا إلى انقراضها إذ قد وقعت الكراهية والإتمام مرارا كثيرة .