تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
قوله عزّ وجل :

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 34 إلى 35 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 34 ) يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ( 35 ) المراد بهذه الآية بيان نقائص المذكورين ، ونهي المؤمنين عن تلك النقائص مترتب ضمن ذلك ، واللام في
لَيَأْكُلُونَ
لام التأكيد ، وصورة هذا الأكل هي بأنهم يأخذون من أموال أتباعهم ضرائب وفروضا باسم الكنائس والبيع وغير ذلك مما يوهمونهم أي النفقة فيه من الشرع والتزلف إلى اللّه ، وهم خلال ذلك يحتجنون تلك الأموال كالذي ذكره سلمان في كتاب السير عن الراهب الذي استخرج كنزه ، وقيل كانوا يأخذون منهم من غلاتهم وأموالهم ضرائب باسم حماية الدين والقيام بالشرع ، وقيل كانوا يرتشون في الأحكام ، ونحو ذلك . قال القاضي أبو محمد : وقوله تعالى :
بِالْباطِلِ
، يعم هذا كله ، وقوله
يَصُدُّونَ
، الأشبه هنا أن يكون معدى أي يصدون غيرهم وهذا الترجيح إنما هو لنباهة منازلهم في قومهم و « صد » يستعمل واقفا ومتجاوزا ، ومنه قول الشاعر [ عمرو بن كلثوم ] : [ الوافر ]
صددت الكأس عنا أم عمرو * وكان الكأس مجراها اليمينا
و
سَبِيلِ اللَّهِ
الإسلام وشريعة محمد عليه السلام ، ويحتمل أن يريد ويصدون عن سبيل اللّه في أكلهم الأموال بالباطل ، والأول أرجح ، وقوله
وَالَّذِينَ
ابتداء وخبره
فَبَشِّرْهُمْ
، ويجوز أن يكون
وَالَّذِينَ
معطوفا على الضمير في قوله يأكلون على نظر في ذلك ، لأن الضمير لم يؤكد ، وأسند أبو حاتم إلى علباء بن أحمد أنه قال : لما أمر عثمان بكتب المصحف أراد أن ينقص الواو في قوله
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ
فأبي ذلك أبي بن كعب وقال لتلحقنها أو لأضعن سيفي على عاتقي فألحقها . قال القاضي أبو محمد : وعلى إرادة عثمان يجري قول معاوية ، إن الآية في أهل الكتاب وخالفه أبو ذر فقال : بل هي فينا ، فشكاه إلى عثمان فاستدعاه من الشام ثم خرج إلى الربذة ، والذي يظهر من الألفاظ أنه لما ذكر نقص الأحبار والرهبان الآكلين المال بالباطل ذكر بعد ذلك بقول عامر نقص الكافرين المانعين حق المال ، وقرأ طلحة بن مصرف « الذين يكنزون » بغير واو ، و
يَكْنِزُونَ
معناه يجمعون ويحفظون في الأوعية ، ومنه قول المنخل الهذلي : [ البسيط ]
لا در دري إن أطعمت نازلهم * قرف الحتيّ وعندي البر مكنوز
أي محفوظ في أوعيته ، وليس من شروط الكنز الدفن لكن كثر في حفظة المال أن يدفنوه حتى تورق
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 27 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى