تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣
الشافعي وغيره : قدر الجزية دينار على الرأس ، ودليل ذلك أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم معاذا بذلك وأخذه جزية اليمن كذلك أو قيمته معافر وهي ثياب ، وقال كثير من أهل العلم ليس لذلك في الشرع حد محدود وإنما ذلك إلى اجتهاد الإمام في كل وقت وبحسب قوم قوم ، وهذا كله في العنوة ، وأما الصلح فهو ما صولحوا عليه من قليل أو كثير ، واختلف في المذهب في العبد الذي يعتقه الذمي أو المسلم هل يلزمه جزية أم لا ؟ وقال ابن القاسم لا ينقص أحد من أربعة دنانير كان فقيرا أو غنيا ، وقال أصبغ : يحط الفقير بقدر ما يرى من حاله ، وقال ابن الماجشون : لا يؤخذ من الفقير شيء والجزية وزنها فعلة من جزى يجزي إذا كافى عن ما أسدي إليه ، فكأنهم أعطوها جزاء ما منحوا من الأمن ، وهي كالقعدة والجلسة . ومن هذا المعنى قول الشاعر : [ الكامل ]
يجزيك أو يثني عليك وإن من * أثنى عليك بما فعلت كمن جزى
وقوله تعالى :
عَنْ يَدٍ
يحتمل تأويلات ، منها أن يريد سوق الذمي لها بيده لا مع رسول ليكون في ذلك إذلال له ، ومنها أن يريد عن نعمة منكم قبلهم في قبولها منهم وتمنيهم ، واليد في اللغة النعمة والصنع الجميل ، ومنها أن يريد عن قوة منكم عليهم وقهر لا تبقى لهم معه راية ولا معقل ، و « اليد » في كلام العرب القوة ، يقال : فلان ذو يد ويقال ليس لي بكذا وكذا يد أي قوة ، ومنها أن يريد أن ينقدوها ولا يؤخروا بها كما تقول بعته يدا بيد ، ومنها أن يريد عن استسلام منهم وانقياد على نحو قولهم ألقى فلان بيده إذا عجز واستسلم ، وقوله
وَهُمْ صاغِرُونَ
لفظ يعم وجوها لا تنحصر لكثرتها ذكر منها عن عكرمة أن يكون قابضها جالسا والدافع من أهل الذمة قائم ، وهذا ونحوه داع إلى صغارهم . قوله عزّ وجل :

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 30 ]

وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 30 ) الذي كثر في كتب أهل العلم أن فرقة من اليهود تقول هذه المقالة ، وروي أنه لم يقلها إلا فنحاص ، وقال ابن عباس : قالها أربعة من أحبارهم ، سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف وقال النقاش : لم يبق يهودي يقولها بل انقرضوا . قال القاضي أبو محمد : فإذا قالها واحد فيتوجه أن يلزم الجماعة شنعة المقالة لأجل نباهة القائل فيهم ، وأقوال النبهاء أبدا مشهورة في الناس يحتج بها ، فمن هنا صح أن تقول الجماعة قول نبيها ، وقرأ عاصم والكسائي « عزير ابن اللّه » بتنوين عزير ، والمعنى أن ابنا على هذا خبر ابتداء عن عزير ، وهذا هو أصح المذاهب لأن هذا هو المعنى المنعيّ عليهم ، و
عُزَيْرٌ
ونحوه ينصرف عجميا كان أو عربيا ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر « عزير ابن اللّه » دون تنوين عزير ، فقال بعضهم « ابن » خبر عن « عزير » وإنما حذف التنوين من عزير لاجتماع الساكنين ونحوه قراءة من قرأ
أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ
[ الإخلاص : 1 - 2 ] قال أبو علي وهو كثير في الشعر ، وأنشد الطبري في ذلك : [ الرجز ]
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 23 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى