لتجدنّي بالأمير برّا * وبالقناة مدعسا مكرا
إذا عطيف السلمي برا قال القاضي أبو محمد : فالألف على هذه القراءة والتأويل ثابتة في « ابن » وقال بعضهم « ابن » صفة ل « عزير » كما تقول زيد بن عمرو وجعلت الصفة والموصوف بمنزلة اسم واحد وحذف التنوين إذا جاء الساكنان كأنهما التقيا من كلمة واحدة ، والمعنى عزير ابن اللّه معبودنا وإلهنا أو المعنى معبودنا أو إلهنا عزير ابن اللّه .
قال القاضي أبو محمد : وقياس هذه القراءة والتأويل أن يحذف الألف من « ابن » لكنها تثبت في خط المصحف ، فيترجح من هذا كله أن قراءة التنوين في « عزير » أقواها ، وحكى الطبري وغيره أن بني إسرائيل أصابتهم فتن وبلاء وقيل مرض وأذهب اللّه عنهم التوراة في ذلك ونسوها ، وكان علماؤهم قد دفنوها أول ما أحسوا بذلك البلاء ، فلما طالت المدة فقدت التوراة جملة فحفظها اللّه عزيرا كرامة منه له ، فقال لبني إسرائيل إن اللّه قد حفظني التوراة فجعلوا يدرسونها من عنده ، ثم إن التوراة المدفونة وجدت فإذا هي مساوية لما كان عزير يدرس ، فضلوا عند ذلك وقالوا إن هذا لن يتهيأ لعزير إلا وهو ابن اللّه ، وظاهر قول النصارى
الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ
أنها بنوة النسل كما قالت العرب في الملائكة ، وكذلك يقتضي قول الضحاك والطبري وغيرهما ، وهذا أشنع في الكفر ، قال أبو المعالي : أطبقت النصارى على أن المسيح إله وأنه ابن الإله .
قال القاضي أبو محمد : ويقال إن بعضهم يعتقدها بنوة حنو ورحمة ، وهذا المعنى أيضا لا يحل أن تطلق البنوة عليه ، وهو كفر لمكان الإشكال الذي يدخل من جهة التناسل وكذلك كفرت اليهود في قولهم
عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ
وقولهم نحن أبناء اللّه ، وإنما توجد في كلام العرب استعارة البنوة عبارة عن نسب وملازمات تكون بين الأشياء إذا لم يشكل الأمر وكان أمر النسل لاستحالة من ذلك قول عبد الملك بن مروان : وقد زبنتنا الحرب وزبناها فنحن بنوها وهي أمنا يريد للملازمة ومن ذلك قول حريث بن مخفض :
[ الطويل ]
بنو المجد لم تقعد بهم أمهاتهم * وآباؤهم أبناء صدق فأنجبوا
ومن ذلك ابن نعش وابن ماء وابن السبيل ونحو ذلك ومنه قول الشاعر : [ الكامل ] والأرض تحملنا وكانت أمنا ومنه أحد التأويلات في قوله صلى اللّه عليه وسلم « لا يدخل الجنة ابن زنى » أي ملازمه والتأويل الآخر أن لا يدخلها مشكل الأمر والتأويلان في قول النصارى
الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ
كما تقدم من الصفة والخبر إلا أن شغب التنوين ارتفع هاهنا ، و
عُزَيْرٌ
نبي من أنبياء بني إسرائيل ، وقوله
بِأَفْواهِهِمْ
يتضمن معنيين :
أحدهما إلزامهم المقالة والتأكيد في ذلك كما قال
يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ
[ البقرة : 79 ] ، وكقوله
وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ
[ الأنعام : 38 ] ، والمعنى الثاني في قوله
بِأَفْواهِهِمْ
أي هو ساذج لا حجة عليه ولا برهان غاية بيانه أن يقال بالأفواه قولا مجردا نفس دعوى ، و
يُضاهِؤُنَ
قراءة الجماعة ومعناه يحاكون