تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
الملأ والملك فقص عليهم مقالة يوسف ، فرأى الملك وحاضروه نبل التعبير وحسن الرأي وتضمن الغيب في أمر العام الثامن ، مع ما وصفه به الرسول من الصدق في المنامة المتقدمة ، فعظم يوسف في نفس الملك ، وقال
ائْتُونِي بِهِ
، فلما وصل الرسول في إخراجه إليه ، وقال : إن الملك قد أمر بأن تخرج ، قال له :
ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ
- أي الملك - وقل له :
ما بالُ النِّسْوَةِ
ومقصد يوسف عليه السلام إنما كان - وقل له : يستقصي عن ذنبي وينظر في أمري ، هل سجنت بحق أو بظلم . فرسم قصته بطرف منها إذا وقع النظر عليه بان الأمر كله . ونكب عن ذكر امرأة العزيز حسن عشرة ورعاية لذمام ملك العزيز له . وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو حيوة « النّسوة » بضم النون ، وقرأ الباقون « النّسوة » بكسر النون . وهما لغتان في تكسير نساء الذي هو اسم جمع لا واحد له من لفظه . وقرأت فرقة « اللايي » بالياء ، وقرأ فرقة « اللاتي » بالتاء وكلاهما جمع التي . وكان هذا الفعل من يوسف عليه السلام أناة وصبرا وطلبا لبراءة الساحة ، وذلك أنه فيما روي خشي أن يخرج وينال من الملك مرتبة ويسكت عن أمر ذنبه صفحا ، فيراه الناس بتلك العين أبدا ، ويقولون : هذا الذي راود امرأة مولاه ، فأراد يوسف عليه السلام أن تبين براءته وتتحقق منزلته من العفة والخير ، وحينئذ يخرج للإخطاء والمنزلة ؛ وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « يرحم اللّه أخي يوسف ، لقد كان صابرا حليما ، ولو لبثت في السجن لبثه لأجبت الداعي ولم ألتمس العذر حينئذ » ، وروي نحو هذا الحديث من طريق عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك في كتاب التفسير من صحيح البخاري ، وليس لابن القاسم في الديوان غيره . وهنا اعتراض ينبغي أن ينفصل عنه ، وذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، إنما ذكر هذا الكلام على جهة المدح ليوسف ، فما باله هو ، يذهب بنفسه عن حالة قد مدح بها غيره ، فالوجه في ذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم إنما أخذ لنفسه وجها آخر من الرأي له جهة أيضا من الجودة ، أي لو كنت أنا لبادرت بالخروج ثم حاولت بيان عذري بعد ذلك ؛ وذلك أن هذه القصص والنوازل إنما هي معرضة ليقتدي الناس بها يوم القيامة ، فأراد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حمل الناس على الأحزم من الأمور ، وذلك أن المتعمق في مثل هذه النازلة التارك فرصة الخروج من مثل ذلك السجن ، ربما تنتج له من ذلك البقاء في سجنه ، وانصرفت نفس مخرجه عنه ، وإن كان يوسف عليه السلام أمن من ذلك بعلمه من اللّه فغيره من الناس لا يأمن ذلك ؛ فالحالة التي ذهب النبي صلى اللّه عليه وسلم بنفسه إليها حالة حزم ومدح ، وما فعله يوسف عليه السلام صبر عظيم وجلد . وقوله
إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ
يحتمل أن يريد بالرب اللّه عزّ وجل ، وفي الآية وعيد - على هذا - وتهديد ، ويحتمل أن يريد بالرب العزيز مولاه ، ففي ذلك استشهاد به وتقريع له . والضمير في « كَيْدَهُنَّ » ل
النِّسْوَةِ
المذكورات لا للجنس لأنها حالة توقيف على ذنب . قوله عزّ وجل :