تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
انحسر عن موضع الكعبة ، وهي أول بقعة انحسر الماء عنها ، فمست الطين برجليها وجاءته ، فعلم أن الماء قد أخذ في النضوب ، ودعا لها فطوقت وأنست . فهي لذلك تألف الناس ؛ ثم أوحى اللّه إلى الجبال أن السفينة ترسي على واحد منها فتطاولت كلها وبقي الجودي - وهو جبل بالموصل في ناحية الجزيرة - لم يتطاول تواضعا للّه ، فاستوت السفينة بأمر اللّه عليه ، وبقيت عليه أعوادها ، وفي الحديث أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لقد بقي منها شيء أدركه أوائل هذه الأمة » . وقال الزجاج :
الْجُودِيِّ
هو بناحية آمد . وقال قوم : هو عند باقردى . وروي أن السفينة لما استقلت من عين وردة جرت حتى جاءت الكعبة فوجدتها قد نشزت من الأرض فلم ينلها غرق فطافت بها أسبوعا ثم مضت إلى اليمن ورجعت إلى الجودي . قال القاضي أبو محمد : والقصص في هذه المعاني كثير صعب أن يستوفي ، فأشرت منه إلى نبذ ؛ ويدخله الاختلاف كما ترى في أمر الكعبة واللّه أعلم كيف كان . و
اسْتَوَتْ
معناه : تمكنت واستقرت . وقرأ جمهور الناس : « على الجوديّ » بكسر الياء وشدها ، وقرأ الأعمش وابن أبي عبلة « على الجودي » بسكون الياء ، وهما لغتان . وقوله
وَقِيلَ : بُعْداً
يحتمل أن يكون من قول اللّه تعالى عطفا على
وَقِيلَ
الأول ويحتمل أن يكون من قول نوح والمؤمنين ، والأول أظهر وأبلغ . قوله عزّ وجل :

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 45 إلى 46 ]

وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ( 45 ) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 46 ) هذه جملة معطوفة على التي قبلها دون ترتيب ، وذلك أن هذه القصة كانت في أول ما ركب نوح في السفينة ؛ ويظهر من كلام الطبري أن ذلك كان بعد غرق الابن ، وهو محتمل ، والأول أليق . وهذه الآية احتجاج من نوح عليه السّلام ، وذلك أن اللّه أمره بحمل أهله وابنه من أهله فينبغي أن يحمل ، فأظهر اللّه له أن المراد من آمن من الأهل ، ثم حسن المخاطبة بقوله :
وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ
، وبقوله :
وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ
، فإن هذه الأقوال معينة في حجته ، وهذه الآية تقتضي أن نوحا عليه السّلام ظن أن ابنه مؤمن ، وذلك أشد الاحتمالين . وقوله تعالى :
قالَ يا نُوحُ
الآية ، المعنى قال اللّه تعالى : يا نوح ، وقالت فرقة : المراد أنه ليس بولد لك ، وزعمت أنه كان لغية وأن امرأته الكافرة خانته فيه ، هذا قول الحسن وابن سيرين وعبيد بن عمير : وقال بزي إنما قضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالولد للفراش من أجل ابن نوح ، وحلف الحسن أنه ليس بابنه ، وحلف عكرمة والضحاك أنه ابنه . قال القاضي أبو محمد : عول الحسن على قوله تعالى :
إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ
، وعول الضحاك وعكرمة على قوله تعالى :
وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ
[ هود : 42 ] .