تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
اعتراضا في الكلام مخاطبة لمحمد صلى اللّه عليه وسلم . ويجيء جميع هذا ستة معان ، ويجوز التعلق في هذا الوجه « بقال » . ومعنى
وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ
أي ما ثم شيء تستحقون به الاتباع والطاعة . ثم قال :
بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ
فيحتمل أنهم خاطبوا نوحا ومن آمن معه من قومه ، أي أنتم كاذبون في تصديقكم هذا الكاذب ، وقولكم إنه نبي مرسل . قوله عزّ وجل :

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 28 إلى 30 ]

قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ ( 28 ) وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ( 29 ) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 30 ) هذه الآية كأنه قال : أرأيتم إن هداني اللّه وأضلكم أأجبركم على الهدى وأنتم كارهون له معرضون عنه ، واستفهامه في هذه الآية أولا وثانيا على جهة التقرير . وعبارة نوح عليه السلام كانت بلغته دالة على المعنى القائم بنفسه ، وهذا هو المفهوم من هذه العبارة العربية ، فبهذا استقام أن يقال كذا وكذا ، إذ القول ما أفاد المعنى القائم بنفسه . وقوله
عَلى بَيِّنَةٍ
أي على أمر بيّن جلي ، والهاء في
بَيِّنَةٍ
للمبالغة كعلامة ونسابة ، و « إيتاؤه الرحمة » هو هدايته للبيّنة ، والمشار إليه بهذا كله النبوءة والشرع ، وقوله
مِنْ عِنْدِهِ
تأكيد ، كما قال :
يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ
[ الأنعام : 38 ] ، وفائدته رفع الاشتراك ولو بالاستعارة . وقرأ جمهور الناس « فعميت » ولذلك وجهان من المعنى : أحدهما : خفيت ، ولذلك يقال للسحاب العماء لأنه يخفي ما فيه ، كما يقال له : الغمام لأنه يغمه ، ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « كان اللّه قبل أن يخلق الأشياء في عماء » . والمعنى الثاني : أن تكون الإرادة : فعميتم أنتم عنها ، لكنه قلب ، كما تقول العرب : أدخلت القلنسوة في رأسي ، ومنه قول الشاعر : [ الطويل ]
ترى النور فيها مدخل الظل رأسه * وسائره باد إلى الشمس أجمع
قال أبو علي : وهذا مما يقلب إذ ليس فيه إشكال وفي القرآن :
فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ
[ إبراهيم : 47 ] وقرأ حفص وحمزة والكسائي « فعمّيت » بضم العين وشد الميم على بناء الفعل للمفعول وهذا إنما يكون من الإخفاء ؛ ويحتمل القلب المذكور .