الإعراض عن المعاني ، يقول : فأنا لم أسألكم أجرا على ذلك ولا مالا ، فيقع منكم قطع بي وتقصير بإرادتي ، وإنما أجري على الذي بعثني ، وقرأ نافع وأبو عمرو بخلاف عنه : « أجري » بسكون الياء ، وقرأ « أجري » بفتح الياء الأعرج وطلحة بن مصرف وعيسى وأبو عمرو ، وقال أبو حاتم : هما لغتان ، والقراءة بالإسكان في كل القرآن ، ثم أخبرهم بأن اللّه أمره بالإسلام والدين الحنيفي الذي هو توحيد اللّه والعمل بطاعته والإعداد للقائه ، وقوله
فَكَذَّبُوهُ
الآية ، إخبار من اللّه عزّ وجل عن حال قوم نوح المكذبين له ، وفي ضمن ذلك الإخبار توعد للكفار بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وضرب المثال لهم ، أي أنتم بحال هؤلاء من التكذيب فسيكونون بحالهم من النقمة والتعذيب ، و
الْفُلْكِ
: السفينة ، والمفسرون وأهل الآثار مجمعون على أن سفينة نوح كانت واحدة ، و
الْفُلْكِ
لفظ الواحد منه ولفظ الجمع مستو وليس به وقد مضى شرح هذا في الأعراف ، و
خَلائِفَ
جمع خليفة ، وقوله
فَانْظُرْ
مخاطبة للنبي صلى اللّه عليه وسلم يشاركه في معناها جميع الخلق ، وفي هذه الآية أنه أغرق جميع من كذب بآيات اللّه التي جاء بها نوح ، وهي مقتضية أيضا أنه أنذرهم فكانوا منذرين ، فلو كانوا جميع أهل الأرض كما قال بعض الناس لاستوى نوح ومحمد صلى اللّه عليه وسلم في البعث إلى أهل الأرض ، ويرد ذلك قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي » الحديث . ويترجح بهذا النظر أن بعثة نوح والغرق إنما كان في أهل صقع لا في أهل جميع الأرض .
قوله عزّ وجل :
[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 74 إلى 75 ]
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ( 74 ) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ ( 75 )
الضمير في قوله
مِنْ بَعْدِهِ
عائد على نوح عليه السلام والضمير في
قَوْمِهِمْ
عائد على الرسل ، ومعنى هذه الآيات كلها ضرب المثل لحاضري محمد صلى اللّه عليه وسلم ، أي كما حل بهؤلاء يحل بكم ، و « البينات » المعجزات والبراهين الواضحة ، والضمير في قوله
كانُوا
وفي
لِيُؤْمِنُوا
عائد على قوم الرسل ، والضمير في
كانُوا
عائد على قوم نوح ، وهذا قول بعض المتأولين ، وقال بعضهم : بل تعود الثلاثة على قوم الرسل على معنى أنهم بادروا رسلهم بالتكذيب كلما جاء رسول ثم لجوا في الكفر وتمادوا فلم يكونوا ليؤمنوا بما سبق به تكذيبهم ، وقال يحيى بن سلام
مِنْ قَبْلُ
، معناه من قبل العذاب .
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا القول بعد ، ويحتمل اللفظ عندي معنى آخر وهو أن تكون « ما » مصدرية والمعنى فكذبوا رسلهم فكان عقابهم من اللّه أن لم يكونوا ليؤمنوا بتكذيبهم من قبل أي من سببه ومن جراه ، ويؤيد هذا التأويل قوله
كَذلِكَ نَطْبَعُ
، وقال بعض العلماء : عقوبة التكذيب الطبع على القلوب ، وقرأ جمهور الناس : « نطبع » بالنون ، وقرأ العباس بن الفضل : « يطبع » بالياء ، وقوله
كَذلِكَ
أي هذا فعلنا بهؤلاء ، ثم ابتدأ
كَذلِكَ نَطْبَعُ
أي كفعلنا هذا و
الْمُعْتَدِينَ
هم الذين تجاوزوا طورهم