تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 519

مساهمون:

ص٥١٩
وهذه اللغة هي أصل هذه اللفظة ، لأنها كاف التشبيه دخلت على « أي » كما دخلت على « ذا » في قولك لفلان كذا وكذا ، وكما دخلت على « أن » في قولك كأن زيدا أسد ، لكن بقي لها معنى التشبيه في كأن وزال عنها ذلك في كذا وكذا ، وفي
كَأَيِّنْ
، وصرفت العرب
كَأَيِّنْ
في معنى « كم » التي هي للتكثير ، وكثر استعمالهم للفظة حتى لعب فيها لسان العرب على اللغات الأربع التي ذكرت ، وهذا كما لعب في قولهم : لعمري حتى قالوا : وعملي ، وكما قالوا : أطيب وأيطب ، وكما قالوا : طبيخ في بطيخ ، فعوملت الكاف « وأي » معاملة ما هو شيء واحد ، فأما اعتلال لغة من قال : « كأين » على وزن فاعل ، فإنهم أخذوا الأصل الذي هو « كاين » فقلبوا الياء قبل الهمزة ونقلت حركة كل واحد منهما إلى أختها ، فجاء « كيا » على وزن كيع ، فحذفوا الياء الثانية المفتوحة تخفيفا ، كما حذفوا الياء من ميت وهين ولين فقالوا : ميت وهين ولين ، وكما حذفوا الياء الثانية من « أي » تخفيفا ومنه قول الفرزدق بن غالب التميمي :
تنظرت نصرا والسماكين أيهما * عليّ من الغيث استهلت مواطره ؟
فجاء « كيا » على وزن كيع ، فأبدلت هذه الياء الساكنة ألفا مراعاة للفتحة التي قبلها ، كما قالوا : في يوجل يأجل ، وكما أبدلوا الياء ألفا في « طاى » وكما أبدلت في آية عند سيبويه ، إذ أصلها عنده أية على وزن فعلة بسكون العين ، فجاء « كاء » ثم كتب هذا التنوين نونا في المصحف ، فأما قياس اللغة فحذفه في الوقف ، فكما يقولون : مررت بزيد فكذلك يقولون كأي ، ووقف عليه أبو عمرو بياء دون نون ، وكذلك روى سورة بن المبارك عن الكسائي ، ووقف سائر القراء بإثبات النون مراعاة لخط المصحف ، قال أبو علي : ولو قيل إنه لما تصرف في الكلمة بالقلب صارت بمنزلة النون التي من نفس الكلمة وصارت بمنزلة لام فاعل فأقرت في الوقف ، لكان قولا ، ويقوي ذلك أنهم لما حذفوا الكلام من قولهم أما لا ، جعلوها بالحذف ككلمة واحدة ، فأجازوا الإمالة في ألف « لا » كما تجوز في التي من نفس الكلمة في الأسماء والأفعال ، فيوقف على « كأين » بالنون ولا يتوقف على النون إذا لم تقلب ، كما لا تميل الألف من « لا » إذا لم يحذف فعلها . قال الفقيه أبو محمد : وبهذه اللغة التي فيها هذا القلب قرأ ابن كثير وحده ، وقرأ سائر السبعة باللغة التي هي الأصل « كأين » ، وذهب يونس بن حبيب في « كأين » إلى أنه فاعل من الكون ، وقوله مردود ، إذ يلزم عنه إعراب الكلمة ولم يعربها أحد من العرب ، وأما اللغة التي هي « كأين » على وزن كعين فهي قراءة ابن محيصن والأشهب العقيلي ، وتعليل هذه اللغة أنه علل الأصل الذي هو « كأين » بالتعليل المتقدم ، فلما جاء « كيا » على وزن كيع ، ترك هؤلاء إبدال الياء الساكنة ألفا كما تقدم في التعليل الأول ، وقلبوا الكلمة فجعلوها « كأين » على وزن كعين ، وحسن هذا من وجهين : أحدهما أن التلعب والتصرف في هذه الكلمة مهيع ، والثاني أنهم راجعوا الأصل الذي هو تقديم الهمزة على الياء ، وأما اللغة التي هي كان على وزن كع فهي قراءة ابن محيصن أيضا ، حكاها عنه أبو عمرو الداني ، وقرأها الحسن بن أبي الحسن ، إلا أنه سهل الهمزة ياء ، فقرأ كي في جميع القرآن ، وتعليل هذه اللغة أنهم حذفوا الألف من « كاء » الممدودة على وزن كاعن بعد ذلك التصرف كله تخفيفا ، وهذا كما قالوا : أم واللّه ، يريدون : أما ، وكما قالوا على لسان الضب [ المجتث ] :
لا أشتهي أن أردّا * إلّا عرادا عردّا
وصليانا بردا * وعنكثا ملتبدّا
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 519 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى