تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 518

مساهمون:

ص٥١٨
يقول بعض المفسرين ، وإنما يفهم قدر معناها من قرائن الكلام الذي تجيء العبارة فيه ، و « نفس » في هذه الآية : اسم الجنس ، و « الإذن » التمكين من الشيء مع العلم بالشيء المأذون فيه ، فإن انضاف إلى ذلك قول فهو الأمر ، وقوله :
كِتاباً
نصب على التمييز و
مُؤَجَّلًا
صفة . وهذه الآية ردّ على المعتزلة في قولهم بالأجلين ، وأما الانفصال عن تعلقهم بقوله تعالى :
وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى *
[ نوح : 4 ] ونحو هذا من الآيات ، فسيجيء في مواضعه إن شاء اللّه تعالى . قوله تعالى :
نُؤْتِهِ مِنْها
مشروط بالمشيئة ، أي نؤت من شئنا منها ما قدر له ، بيّن ذلك قوله تعالى :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ
[ الإسراء : 18 ] ، وقرينة الكلام تقتضي أنه لا يؤتى شيئا من الآخرة لأن من كانت نيته من عمله مقصورة على طلب الدنيا ، فلا نصيب له في الآخرة ، والأعمال بالنيات ، وقرينة الكلام في قوله :
وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها
لا تمنع أن يؤتى نصيبا من الدنيا ، وقرأ جمهور الناس « نؤته ونؤته وسنجزي » . كلها بنون العظمة ، وقرأ الأعمش بالياء في الثلاثة ، وذلك على حذف الفاعل لدلالة الكلام عليه ، قال ابن فورك : في قول اللّه تعالى :
وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ
إشارة إلى أنه ينعمهم بنعيم الدنيا لا أنهم يقصرون على الآخرة . قوله تعالى :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 146 ]

وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ( 146 ) ثم ضرب تعالى المثل للمؤمنين بمن سلف من صالحي الأمم الذين لم يثنهم عن دينهم قتل الكفار لأنبيائهم فقال :
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ
الآية ، وفي
كَأَيِّنْ
أربع لغات : « كأين » على وزن كعين بفتح العين ، و « كأين » ، على وزن كاعن و « كأين » على وزن كعين بسكون العين وكان على وزن كعن بكسر العين ، وأكثر ما استعملت العرب في أشعارها التي على وزن كاعن ، فمن ذلك قول الشاعر : [ الطويل ]
وكائن رددنا عنكم من مدجّج * يجيء أمام القوم يردي مقنّعا
وقال جرير : [ الطويل ]
وكائن بالأباطح من صديق * يراني لو أصبت هو المصابا
وقال آخر : [ زهير ] : [ الطويل ] :
وكائن ترى من صامت لك معجب * زيادته أو نقصه في التّكلّم
وقد جاء في اللغة التي ذكرتها أولا قول الشاعر : [ الوافر ]
كأيّن في المعاشر من أناس * أخوهم فوقهم وهم كرام
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 518 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى