تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 521

مساهمون:

ص٥٢١
عباس : إنهم الألوف ، قال بعض المفسرين : هم عشرة آلاف فصاعدا ، أخذ ذلك من بناء الجمع الكثير في قولهما : هم الألوف وهذا في الربيين أنهم الجماعات الكثيرة هو من الربة بكسر الراء وهي الجماعة الكثيرة ، قاله يونس بن حبيب ، وقال : إن قوله تعالى : قتل معه ربيون منسوبون إليها ، قال قطرب : جماعة العلماء على قول يونس ، وقال الزجّاج : يقال : إن الربة عشرة آلاف ، وروي عن ابن عباس وعن الحسن بن أبي الحسن وغيرهما أنهم قالوا :
رِبِّيُّونَ
معناه علماء ، وقال الحسن : فقهاء علماء ، قال أيضا : علماء صبر ، وهذا القول هو على النسبة إلى الرب ، إما لأنهم مطيعون له ، أو من حيث هم علماء بما شرع ، ويقوي هذا القول في قراءة من قرأ « ربيون » بفتح الراء وأما في ضم الراء وكسرها فيجيء على تغيير النسب ، كما قالوا في النسبة إلى الحرم : حرمي بكسر الحاء ، وإلى البصرة ، بصري بكسر الباء ، وفي هذا نظر ، وقال ابن زيد : « الربانيون » : الولاة ، والربيون الرعية الأتباع للولاة . قال الفقيه أبو محمد : كأن هذا من حيث هم مربوبون ، وقال النقاش : اشتقاق ربي من ربا الشيء يربو إذا كثر ، فسمي بذلك الكثير العلم . قال الفقيه أبو محمد : وهذا ضعيف ، وقال مكي : ربي بكسر الراء منسوب إلى الرب لكن كسرت راؤه اتباعا للكسرة والياء اللتين بعد الراء ، وروي بضم الراء كذلك لكنهم ضموها كما قيل : دهري بضم الدال في النسب إلى الدهر ، وقرأ جمهور الناس « فما وهنوا » بفتح الهاء ، وقرأ الأعمش والحسن وأبو السمال « وهنوا » بكسر الهاء ، وهما لغتان بمعنى ، يقال : وهن بكسر الهاء يوهن ووهن بفتح الهاء يهن ، وقرأ عكرمة وأبو السمال أيضا « وهنوا » بإسكان الهاء ، وهذا الوهن في قوله آنفا
وَلا تَهِنُوا
[ آل عمران : 139 ] والضمير في قوله :
فَما وَهَنُوا
عائد على جميع الربيين في قول من أسند قتل إلى نبي ، ومن أسنده إلى الربيين قال في هذا الضمير إنه يعود على من بقي منهم ، إذ المعنى يفهم نفسه ، وقوله تعالى :
وَما ضَعُفُوا
معناه لم يتكسبوا من العجز والإلقاء باليد ما ينبئ عن ضعفهم ، وقوله تعالى :
وَمَا اسْتَكانُوا
ذهبت طائفة من النحاة إلى أنه من السكون فوزنه افتعلوا استكنوا ، فمطلت فتحة الكاف فحدث من مطلها ألف ، وذهبت طائفة إلى أنه مأخوذ من كان يكون فوزنه على هذا الاشتقاق استفعلوا أصله استكونوا ، نقلت حركة الواو إلى الكاف ، وقلبت ألفا ، كما فعلوا في قولك : استعانوا واستقاموا ، والمعنى : أنهم لم يضعفوا ولا كانوا قريبا من ذلك ، كما تقول : ما فعلت كذا ولا كدت ، فتحذف لأن الكلام يدل على أن المراد ، وما كدت أن أفعل ، ومحبة اللّه تعالى للصابرين ما يظهر عليهم من نصره وتنعيمه . قوله تعالى :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 147 إلى 148 ]

وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 147 ) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 148 ) هذه الآية في ذكر الربيين ، أي هذا كان قولهم ، لا ما قاله بعضكم يا أصحاب محمد ، من قول من قال : نأخذ أمانا من أبي سفيان ومن قول من قال : نرجع إلى ديننا الأول ، ومن قول من فر ، فلا شك أن قوله
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 521 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى