تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 516

مساهمون:

ص٥١٦
يريد لقرب الأمر ، ونحو هذا قول عامر بن فهيرة : لقد رأيت الموت قبل ذوقه يريد لما اشتد به المرض ، وقرأ طلحة بن مصرف « فلقد رأيتموه » ، وقوله تعالى :
وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
يحتمل ثلاثة معان : أحدها التأكيد للرؤية وإخراجها من الاشتراك الذي بين رؤية القلب ورؤية العين في اللفظ ، والآخر أن يكون المعنى وأنتم تنظرون في أسباب النجاة والفرار وفي أمر محمد عليه السلام هل قتل أم لا ؟ وذلك كله نقض لما كنتم عاهدتم اللّه عليه ، وحكى مكي عن قوم أنهم قالوا : المعنى : وأنتم تنظرون إلى محمد ، وهذا قول ضعيف ، إلا أن ينحى به إلى هذا القول الذي ذكرته أنه النظر في أمره هل قتل ؟ والاضطراب بحسب ذلك ، والمعنى الثالث أن يكون قد وقفهم على تمنيهم ومعاهدتهم ، وعلى أنهم رأوا ذلك الذي تمنوا ، ثم قال على جهة التوبيخ والعتب :
وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
في فعلكم الآن بعد انقضاء الحرب هل وفيتم أم خالفتم ؟ كأنه قال : وأنتم حسباء أنفسكم ، فتأملوا قبيح فعلكم وفي هذا التوبيخ على هذا الوجه ضرب جميل من الإبقاء والصون والاستدعاء ، قال ابن فورك : المعنى وأنتم تتأملون الحال في ذلك وتفكرون فيها كيف هي ؟ وهذا نحو ما تقدم . قوله تعالى :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 144 إلى 145 ]

وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ( 144 ) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ( 145 ) هذا استمرار في عتبهم ، وإقامة لحجة اللّه عليهم ، المعنى : أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم رسول كسائر الرسل ، قد بلغ كما بلغوا ، ولزمكم أيها المؤمنون العمل بمضمن الرسالة وليست حياة الرسول وبقاؤه بين أظهركم شرطا في ذلك ، لأن الرسول يموت كما مات الرسل قبله ، و
خَلَتْ
معناه مضت وسلفت ، وصارت إلى الخلاء من الأرض . وقرأ جمهور الناس « الرسل » بالتعريف ، وفي مصحف ابن مسعود « رسل » دون تعريف ، وهي قراءة حطان بن عبد اللّه ، فوجه الأولى تفخيم ذكر الرسل ، والتنويه بهم على مقتضى حالهم من اللّه تعالى ، ووجه الثانية أنه موضع تيسير لأمر النبي عليه السلام في معنى الحياة ، ومكان تسوية بينه وبين البشر في ذلك ، فجيء تنكير « الرسل » جاريا في مضمار هذا الاقتصاد به صلى اللّه عليه وسلم ، وهكذا يفعل في مواضع الاقتصاد بالشيء ، فمنه قوله تعالى :
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
[ سبأ : 13 ] وقوله تعالى :
وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ
[ هود : 40 ] إلى غير ذلك من الأمثلة ، ذكر ذلك أبو الفتح ، والقراءة بتعريف « الرسل » أوجه في الكلام ، وقوله تعالى :
أَ فَإِنْ ماتَ
الآية ، دخلت ألف الاستفهام على جملة الكلام على الحد الذي يخبر به ملتزمه ، لأن أقبح الأحوال أن يقولوا : إن مات محمد أو قتل انقلبنا ، فلما كان فعلهم ينحو هذا المنحى وقفوا على الحد الذي به يقع الإخبار ، وقال كثير من