تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 515

مساهمون:

ص٥١٥
عليهم ، بأنه ينقي المتشهدين من ذنوبهم ، وينقي الأحياء من منافقهم إذ يميزهم ، وأنه
يَمْحَقَ الْكافِرِينَ
إذا نصر عليهم أي ينقصهم والمحق : الذهاب شيئا شيئا ، ومنه محاق القمر . قوله تعالى :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 142 إلى 143 ]

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ( 142 ) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 143 )
أَمْ
هي بمعنى الإضراب عن الكلام الأول والترك له ، وفيها لازم معنى الاستفهام ، فلذلك قدرها سيبويه ببل وألف الاستفهام ، و
حَسِبْتُمْ
معناه ظننتم . وهذه الآية وما بعدها تقريع وعتب لطوائف المؤمنين الذين وقعت منهم الهفوات المشهورة في يوم واحد ، وقوله :
وَلَمَّا يَعْلَمِ
نفي مؤكد وهو معادل لقول القائل : قد كان كذا ، فلما أكد هذا الخبر الموجب ، بقد ، أكد النفي المعادل له بلما ، وإذا قال القائل : كان كذا ، فمعادله لم يكن دون تأكيد في الوجهين ، قاله سيبويه : وقرأ جمهور الناس : بكسر الميم للالتقاء في قوله :
وَلَمَّا يَعْلَمِ
وقرأ يحيى بن وثاب وإبراهيم النخعي : « ولما يعلم » بفتح الميم اتباعا لفتحة اللام ، وقرأ الجمهور « ويعلم » على النصب بإضمار - أن - عند البصريين ، وبواو الصرف عند الكوفيين وروي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قرأ : « ويعلم » بالرفع على استئناف الفعل ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ويحيى بن يعمر وأبو حيوة وعمرو بن عبيد : « ويعلم » بكسر الميم جزما معطوفا على قوله
وَلَمَّا يَعْلَمِ
. ثم خاطب المؤمنين بقوله :
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ
والسبب في ذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خرج في غزوة بدر يريد عير قريش مبادرا فلم يوعب الناس معه ، إذ كان الظن أنه لا يلقى حربا ، فلما قضى اللّه ببدر ما قضى وفاز حاضروها بالمنزلة الرفيعة ، كان المتخلفون من المؤمنين عنها يتمنون حضور قتال الكفار مع النبي صلى اللّه عليه وسلم ليكون منهم في ذلك غناء يلحقهم عند ربهم ونبيهم بمنزلة أهل بدر ، ولأنس بن النضر في ذلك كلام محفوظ ، فلما جاء أمر أحد - وحضر القتال لم يصدق كل المؤمنين ، فعاتبهم اللّه بهذه الآية وألزمهم تعالى تمني الموت من حيث تمنوا لقاء الرجال بالحديد ومضاربتهم به ، وهي حال في ضمنها في الأغلب الموت ، ولا يتمناها إلا من طابت نفسه بالموت ، فصار الموت كأنه المتمنى ، وإلا فنفس قتل المشرك للمسلم لا يجوز أن يتمنى من حيث هو قتل ، وإنما تتمنى لواحقه من الشهادة والتنعيم ، وقرأ الجمهور : « من قبل أن تلقوه » ، وقرأ الزهري وإبراهيم النخعي « من قبل أن تلاقوه » وهذه والأولى في المعنى سواء من حيث - لقي - معناه يتضمن أنه من اثنين وإن لم يكن على وزن فاعل ، وقرأ مجاهد « من قبل » بضم اللام وترك الإضافة ، وجعل
أَنْ تَلْقَوْهُ
بدلا من
الْمَوْتَ
، وقوله تعالى :
فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ
يريد رأيتم أسبابه وهي الحرب المشتعلة والرجال بأيديهم السيوف ، وهذا كما قال عمير بن وهب يوم بدر : رأيت البلايا ، تحمل المنايا ، وكما قال الحارث بن هشام : [ الكامل ]
ووجدت ريح الموت من تلقائهم * في مأزق والخيل لم تتبدد