تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 514

مساهمون:

ص٥١٤
مس القوم قرح مثله » ، وقرأ محمد بن السميفع اليماني « قرح » بفتح القاف والراء ، قال أبو الفتح : هي لغة في القرح كالشل والشلل والطرد والطرد . هذا مذهب البصريين ، وليس هذا عندهم من تأثير حرف الحلق ، وأنا أميل في هذا إلى قول أصحابنا البغداديين ، في أن لحرف الحلق في مثل هذا أثرا معتمدا ، وقد سمعت بعض بني عقيل يقول : نحوه بفتح الحاء ، يريد نحوه ، ولو كانت الكلمة مبنية على فتح الحاء لأعلت الواو وكعصاة وفتاة ، وسمعت غيره يقول : أنا محموم بفتح الحاء قال ابن جني : ولا قرابة بيني وبين البصريين ولكنها بيني وبين الحق ، والحمد للّه . أخبر تعالى على جهة التسلية أن
الْأَيَّامُ
على قديم الدهر وغابره أيضا إنما جعلها دولا بين البشر ، أي : فلا تنكروا أن يدال عليكم الكفار ، وقال تعالى :
نُداوِلُها
فهي مفاعلة من جهة واحدة ، وإنما ساغ ذلك لأن المداولة منه تعالى هي بين شيئين ، فلما كان ذلك الفريقان يتداولان حسن ذلك ، و « الدّولة » بضم الدال المصدر ، و « الدّولة » بفتح الدال الفعلة الواحدة من ذلك ، فلذلك يقال في دولة فلان لأنها مرة في الدهر ، وسمع بعض العرب الأقحاح قارئا يقرأ هذه الآية ، فقال : إنما هو ، « وتلك الأيام نداولها بين العرب » ، فقيل له : إنما هو « بين الناس » فقال : إنا للّه ، ذهب ملك العرب ورب الكعبة ، وقوله تعالى :
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
دخلت الواو لتؤذن أن اللام متعلقة بمقدر في آخر الكلام ، تقديره : وليعلم اللّه الذين آمنوا ، فعل ذلك ، وقوله تعالى :
وَلِيَعْلَمَ
معناه : ليظهر في الوجود إيمان الذين قد علم أزلا أنهم يؤمنون ، وليساوق علمه إيمانهم ووجودهم ، وإلا فقد علمهم في الأول ، وعلمه تعالى لا يطرأ عليه التغيير ونحو هذا : أن يضرب حاكم أحدا ثم يبين سبب الضرب ويقول : فعلت هذا التبيين لأضرب مستحقا ، معناه : ليظهر أن فعلي وافق استحقاقه ، وقوله تعالى :
وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ
، معناه : أهل فوز في سبيله حسبما ورد في فضائل الشهيد . قوله تعالى :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 141 ]

وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ( 141 ) ثم أخبر تعالى : أن إدالته الكفار على المؤمنين إنما هي
لِيُمَحِّصَ
المؤمنين ، وأن إدالة المؤمنين على الكفار إنما هي لمحق الكفار ، هذا مقتضى ألفاظ الآية ، وقد قال ابن عباس وغيره : جعل اللّه الدولة لرسوله يوم بدر ، وعليه يوم أحد وذهب كثير من أهل العلم إلى العبارة عن إدالة المؤمنين بالنصر ، وعن إدالة الكفار بالإدالة ، وروي في ذلك عن النبي عليه السلام حديث : إنهم يدالون كما تنصرون ، و « التمحيص » : التنقية . قال الخليل : التمحيص من العيب يقال : محص الحبل إذا زال عنه بكثرة مره على اليد زئبره وامّلس هكذا ساق الزجّاج اللفظة « الحبل » ورواها النقاش محص الجمل : إذا زال عنه وبره وامّلس ، وقال حنيف الحناتم ، وقد ورد ماء يقال له طويلع : إنك لمحص الرشاء ، بعيد المستقى ، مطل على الأعداء ، فالمعنى : إنه لبعده يلمس حبله بالطين الحر ومد الأيدي ، فمعنى الآية : أن اللّه يمحص المؤمنين إذا أدال