تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 498

مساهمون:

ص٤٩٨
تعالى :
وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ
[ البقرة : 14 ] بل هو ما يقتضي البغض وعدم المودة ، وكان أبو الجوزاء إذا تلا هذه الآية قال : هم الإباضية . قال القاضي أبو محمد : وهذه الصفة قد تترتب في أهل بدع من الناس إلى يوم القيامة ، وقوله تعالى :
قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ
، قال فيه الطبري وكثير من المفسرين : هو دعاء عليهم . قال القاضي أبو محمد : فعلى هذا يتجه أن يدعى عليهم بهذا مواجهة ، قال قوم : بل أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم وأمته أن يواجهوهم بهذا . قال القاضي أبو محمد : فعلى هذا زال معنى الدعاء وبقي معنى التقريع والإغاظة ، ويجري المعنى مع قول مسافر بن أبي عمرو : وننمي في ارومتنا ونفقأ عين من حسدا وينظر إلى هذا المعنى في قوله ،
مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ
قوله تعالى :
فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ
[ الحج : 15 ] ، وقوله :
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
وعيد يواجهون به على هذا التأويل الأخير في
مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ
و « ذات الصدور » : ما تنطوي عليه ، والإشارة هنا إلى المعتقدات ومن هذا قول أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه : إنما هو ذو بطن بنت خارجة ، ومنه قولهم : الذيب مغبوط بذي بطنه ، وال « ذات » : لفظ مشترك في معان لا يدخل منها في هذه الآية إلا ما ذكرناه . قوله تعالى :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 120 ]

إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( 120 ) « الحسنة والسيئة » في هذه الآية لفظ عام في كل ما يحسن ويسوء ، وما ذكر المفسرون من الخصب والجدب واجتماع المؤمنين ودخول الفرقة بينهم وغير ذلك من الأقوال ، فإنما هي أمثلة وليس ذلك باختلاف وذكر تعالى « المس في الحسنة » ليبين أن بأدنى طروء الحسنة تقع المساءة بنفوس هؤلاء المبغضين ، ثم عادل ذلك بالسيئة بلفظ الإصابة وهي عبارة عن التمكن ، لأن الشيء المصيب لشيء فهو متمكن منه أو فيه ، فدل هذا المنزع البليغ على شدة العداوة ، إذ هو حقد لا يذهب عند الشدائد ، بل يفرحون بنزول الشدائد بالمؤمنين ، وهكذا هي عداوة الحسد في الأغلب ، ولا سيما في مثل هذا الأمر الجسيم الذي هو ملاك الدنيا والآخرة وقد قال الشاعر : [ البسيط ]
كلّ العداوة قد ترجى إزالتها * إلّا عداوة من عاداك من حسد
ولما قرر تعالى هذا الحال لهؤلاء المذكورين ، وأوجبت الآية أن يعتقدهم المؤمنون بهذه الصفة ، جاء قوله تعالى :
وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً
تسلية للمؤمنين وتقوية لنفوسهم ، وشرط ذلك بالصبر والتقوى ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع : « لا يضركم » بكسر الضاد وجزم الراء وهو من ضار يضير
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 498 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى