تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 495

مساهمون:

ص٤٩٥
التشبيه بين شيئين وشيئين ، ذكر اللّه عزّ وجل أحد الشيئين المشبهين وترك ذكر الآخر ثم ذكر أحد الشيئين المشبه بهما وليس الذي يوازي المذكور الأول ، وترك ذكر الآخر ، ودل المذكور أن على المتروكين ، وهذه غاية البلاغة والإيجاز ، ومثل ذلك قوله تعالى :
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ
[ البقرة : 171 ] ، وقرأ عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، « تنفقون » بالتاء على معنى قل لهم يا محمد ، و
مَثَلُ
رفع بالابتداء وخبره في محذوف به تتعلق الكاف من قوله
كَمَثَلِ
، و
ما
بمعنى الذي وجمهور المفسرين على أن
يُنْفِقُونَ
يراد به الأموال التي كانوا ينفقونها في التحنث وفي عداوة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكان ذلك عندهم قربة ، وقال السدي :
يُنْفِقُونَ
معناه من أقوالهم التي يبطنون ضدها . قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف ، لأنه يقتضي أن الآية في منافقين والآية إنما هي في كفار يعلنون مثل ما يبطنون ، وذهب بعض المفسرين إلى أن
يُنْفِقُونَ
يراد به أعمالهم من الكفر ونحوه ، أي هي « كالريح التي فيها صر » ، فتبطل كل ما لهم من صلة رحم وتحنث بعتق ونحوه ، كما تبطل الريح الزرع ، وهذا قول حسن لولا بعد الاستعارة في الإنفاق ، و « الصر » البرد الشديد ، المحرق لكل ما يهب عليه وهو معروف قال ابن عباس وجمهور المفسرين : « الصر » البرد ، وتسميه العرب الضريب ، وذهب الزجّاج وغيره : إلى أن اللفظة من التصويت ، من قولهم صر الشيء ، ومنه الريح الصرصر ، قال الزجاج : فالصر صوت النار التي في الريح . قال القاضي : « الصر » هو نفس جهنم الذي في الزمهرير يحرق نحوا مما تحرق النار ، و « الحرث » شامل للزرع والثمار ، لأن الجميع مما يصدر عن إثارة الأرض ، وهي حقيقة الحرث ، ومنه الحديث لا زكاة إلا في عين أو حرث أو ماشية ، وقال عزّ وجل :
ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
فما بال هذا التخصيص والمثل صحيح ، وإن كان الحرث لمن لم يظلم نفسه ؟ فالجواب أن ظلم النفس في هذه الآية تأوله جمهور المفسرين بأنه ظلم بمعاصي اللّه ، فعلى هذا وقع التشبيه بحرث من هذه صفته ، إذ عقوبته أوخى وأخذ اللّه له أشد والنقمة إليه أسرع وفيه أقوى ، كما روي في جوف العير وغيره ، وأيضا فمن أهل العلم من يرى أن كل مصائب الدنيا فإنما هي بمعاصي العبيد ، وينتزع ذلك من غير ما آية في القرآن ، فيستقيم على قوله : إن كل حرث تحرقه ريح فإنما هو لمن قد ظلم نفسه ، وذهب بعض الناس ونحا إليه المهدوي : إلى أن قوله تعالى :
حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
معناه زرعوا في غير أوان الزراعة . قال أبو محمد : وينبغي أن يقال في هذا :
ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
بأن وضعوا أفعال الفلاحة غير موضعها من وقت أو هيئة عمل ، ويخص هؤلاء بالذكر لأن الحرق فيما جرى هذا المجرى أوعب وأشد تمكنا ، وهذا المنزع يشبهه من جهة ما قول امرئ القيس : [ المتقارب ]
وسالفة كسحوق اللّيا * ن أضرم فيها الغويّ السعر
فخصص الغويّ لأنه يلقي النار في النخلة الخضراء الحسنة التي لا ينبغي أن تحرق ، فتطفئ النار عن نفسها رطوبتها بعد أن تتشذب وتسود ، فيجيء الشبه حسنا ، والرشيد لا يضرم النار إلا فيما يبس واستحق فهو يذهب ولا يبقى منه ما يشبه به ، والضمير في
ظَلَمَهُمُ
للكفار الذين تقدم ضميرهم في
يُنْفِقُونَ
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 495 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى