تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 499

مساهمون:

ص٤٩٩
بمعنى ضر يضر وهي لغة فصيحة ، وحكى الكسائي : ضار يضور ، ولم يقرأ على هذه اللغة ، ومن ضار يضير في كتاب اللّه
لا ضَيْرَ
[ الشعراء : 50 ] ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي :
فقيل تحمّل فوق طوقك إنّها * مطبعة من يأتها لا يضيرها
يصف مدينة ، والمعنى فليس يضيرها ، وفي هذا النفي المقدر بالفاء هو جواب الشرط ، ومن اللفظ قول توبة بن الحمير :
وقال أناس لا يضيرك نأيها * بلى كلّ ما شقّ النّفوس يضيرها
وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي : « لا يضرّكم » بضم الضاد والراء والتشديد في الراء ، وهذا من ضر يضر ، وروي عن حمزة مثل قراءة أبي عمرو ، وأما إعراب هذه القراءة فجزم ، وضمت الراء للالتقاء ، وهو اختيار سيبويه في مثل هذا اتباعا لضمة الضاد ، ويجوز فتح الراء وكسرها مع إرادة الجزم ، فأما الكسر فلا أعرفها قراءة ، وعبارة الزجّاج في هذا متجوز فيها ، إذ يظهر من درج كلامه أنها قراءة ، وأما فتح الراء من قوله « لا يضرّكم » فقرأ به عاصم فيما رواه أبو زيد عن المفضل عنه ، ويجوز أيضا أن يكون إعراب قوله ، « لا يضركم » ، رفعا إما على تقدير ، فليس يضركم ، على نحو تقدم في بيت أبي ذؤيب ، وإما على نية التقدم على « وإن تصبروا » كما قال [ جرير بن عبد اللّه ] : [ الرجز ]
يا أقرع بن حابس يا أقرع * إنّك إن يصرع أخوك تصرع
المراد أنك تصرع ، وقرأ أبي بن كعب : « لا يضرركم » براءين وذلك على فك الإدغام وهي لغة أهل الحجاز وعليها قوله تعالى في الآية
إِنْ تَمْسَسْكُمْ
ولغة سائر العرب الإدغام في مثل هذا كله ، و « الكيد » الاحتيال بالأباطيل وقوله تعالى :
وَأَكِيدُ كَيْداً
[ الطارق : 16 ] إنما هي تسمية العقوبة باسم الذنب ، وقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
وعيد ، والمعنى محيط جزاؤه وعقابه وبالقدرة والسلطان ، وقرأ الحسن : « بما تعملون » بالتاء ، وهذا إما على توعد المؤمنين في اتخاذ هؤلاء بطانة ، وإما على توعد هؤلاء المنافقين بتقدير : قل لهم يا محمد . قوله تعالى :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 121 إلى 122 ]

وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 121 ) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 122 ) ذهب الطبري رحمه اللّه إلى أن هذه الآية متصلة بمعنى ما تقدمها من الآيات والظاهر أنها استقبال أمر آخر ، لأن تلك مقاولة في شأن منافقي اليهود ، وهذا ابتداء عتب المؤمنين في أمر أحد ، فالعامل في
إِذْ
فعل مضمر تقديره واذكر ، وقال الحسن : هذا الغدو المذكور في هذه الآية « لتبوئ المؤمنين » الذي كان في غزوة الأحزاب . قال القاضي أبو محمد : وخالفه الناس ، والجمهور على أن ذلك كان في غزوة أحد ، وفيها نزلت هذه