بالنهيق وشحى اللجام في الفرس ، والنهي في أن يأخذ أحد عرض أخيه همسا راتب ، فذكر التشحي إنما هو إشارة إلى التشدق والانبساط ، وقوله :
وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ
إعلام بأنهم يبطنون من البغضاء أكثر مما يظهرون بأفواههم ، وفي قراءة عبد اللّه بن مسعود : « قد بدا البغضاء » بتذكير الفعل ، لما كانت
الْبَغْضاءُ
بمعنى البغض ، ثم قال تعالى للمؤمنين ،
قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
تحذيرا وتنبيها ، وقد علم تعالى أنهم عقلاء ولكن هذا هز للنفوس كما تقول : إن كنت رجلا فافعل كذا وكذا .
قوله تعالى :
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 119 ]
ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 119 )
تقدم إعراب نظير هذه الآية وقراءتها في قوله تعالى آنفا :
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ
[ آل عمران : 66 ] والضمير في
تُحِبُّونَهُمْ
لمنافقي اليهود الذين تقدم ذكرهم في قوله :
بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ
[ آل عمران : 118 ] والضمير في هذه الآية اسم للجنس ، أي تؤمنون بجميع الكتب وهم لا يؤمنون بقرآنكم ، وإنما وقف اللّه تعالى المؤمنين بهذه الآية على هذه الأحوال الموجبة لبغض المؤمنين لمنافقي اليهود واطراحهم إياهم ، فمن تلك الأحوال أنهم لا يحبون المؤمنين وأنهم يكفرون بكتابهم وأنهم ينافقون عليهم ويستخفون بهم ويغتاظون ويتربصون الدوائر عليهم ، وقوله تعالى :
عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ
عبارة عن شدة الغيظ مع عدم القدرة على إنفاذه ومنه قول أبي طالب : [ الطويل ] ( يعضّون غيظا خلفنا بالأنامل ) ومنه قول الآخر [ الفرزدق ] :
وقد شهدت قيس فما كان نصرها * قتيبة إلّا عضّها بالأباهم
وهذا العض هو بالأسنان ، وهي هيئة في بدن الإنسان تتبع هيئة النفس الغائظة ، كما أن عض اليد على اليد يتبع هيئة النفس النادمة فقط ، إلى غير ذلك من عد الحصى والخط في الأرض للمهموم ونحوه ، ويكتب هذا العض بالضاد ، ويكتب عظ الزمان بالظاء المشالة وواحد « الأنامل » أنملة بضم الميم ، ويقال بفتحها والضم أشهر ، ولا نظير لهذا الاسم في بنائه إلا أشد ، له نظائر في الجموع ، وقوله
وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ
يقتضي أن الآية في منافقي اليهود لا في منافقي العرب ، ويعترضها أن منافقي اليهود لم يحفظ عنهم أنهم كانوا يؤمنون في الظاهر إيمانا مطلقا ويكفرون في الباطن ، كما كان المنافقون من العرب يفعلون ، إلا ما روي من أمر زيد بن الصيت القينقاعي فلم يبق إلا أن قولهم :
آمَنَّا
معناه : صدقنا أنه نبي مبعوث إليكم ، أي فكونوا على دينكم ونحن أولياؤكم وإخوانكم ولا نضمر لكم إلا المودة ، ولهذا كان بعض المؤمنين يتخذهم بطانة ، وهذا منزع قد حفظ أن كثيرا من اليهود كان يذهب إليه ، ويدل على هذا التأويل أن المعادل لقولهم
آمَنَّا
، « عض الأنامل من الغيظ » ، وليس هو ما يقتضي الارتداد كما هو في قوله