تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
وقوله تعالى :
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
جملة في موضع الحال ولم يشهد لهم تعالى بعلم وإنما نهاهم عن كتمان ما علموا ، ويحتمل أن تكون شهادة عليهم بعلم حق مخصوص في أمر محمد عليه السلام ، ولم يشهد لهم بالعلم على الإطلاق ولا تكون الجملة على هذا في موضع الحال ، وفي هذه الألفاظ دليل على تغليظ الذنب على من واقعه على علم ، وأنه أعصى من الجاهل .
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ *
معناه : أظهروا هيئتها وأديموها بشروطها ، وذلك تشبيه بإقامة القاعد إلى حال ظهور ، ومنه قول الشاعر : [ الكامل ]
وإذا يقال أتيتم لم يبرحوا * حتى تقيم الخيل سوق طعان
وقد تقدم القول في الصلاة ، و
الزَّكاةَ
في هذه الآية هي المفروضة بقرينة إجماع الأمة على وجوب الأمر بها ، و
الزَّكاةَ *
مأخوذة من زكا الشيء إذا نما وزاد ، وسمي الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه من حيث ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثيب اللّه به المزكي وقيل
الزَّكاةَ *
مأخوذة من التطهير ، كما يقال زكا فلان أي طهر من دنس الجرحة أو الاغفال ، فكأن الخارج من المال يطهره من تبعة الحق الذي جعل اللّه فيه للمساكين ، ألا ترى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم سمى في الموطأ ما يخرج في الزكاة أوساخ الناس . وقوله تعالى :
وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ
قال قوم : جعل الركوع لما كان من أركان الصلاة عبارة عن الصلاة كلها . وقال قوم : إنما خص الركوع بالذكر لأن بني إسرائيل لم يكن في صلاتهم ركوع . وقالت فرقة : إنما قال
مَعَ
لأن الأمر بالصلاة أولا لم يقتض شهود الجماعة ، فأمرهم بقوله
مَعَ
بشهود الجماعة ، والركوع في اللغة الانحناء بالشخص . قال لبيد : [ الطويل ]
أخبر أخبار القرون التي مضت * أدبّ كأني كلما قمت راكع
ويستعار أيضا في الانحطاط في المنزلة ، قال الأضبط بن قريع : [ الخفيف ]
لا تعاد الضعيف علك أن تر * كع يوما والدهر قد رفعه
وقوله تعالى :
أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ
خرج مخرج الاستفهام ، ومعناه التوبيخ ، و « البر » يجمع وجوه الخير والطاعات ويقع على كل واحد منها اسم بر ،
وَتَنْسَوْنَ
بمعنى تتركون كما قال اللّه تعالى :
نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ
[ التوبة : 67 ] . واختلف المتأولون في المقصود بهذه الآية ، فقال ابن عباس : « كان الأحبار يأمرون أتباعهم ومقلديهم باتباع التوراة ، وكانوا هم يخالفونها في جحدهم منها صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم » . وقالت فرقة : كان الأحبار إذا استرشدهم أحد من العرب في اتباع محمد دلوه على ذلك ، وهم لا يفعلونه .
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 136 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى