وقال ابن جريج : « كان الأحبار يحضون الناس على طاعة اللّه ، وكانوا هم يواقعون المعاصي » .
وقالت فرقة : كانوا يحضون على الصدقة ويبخلون .
وقوله تعالى :
وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ
معناه : تدرسون وتقرءون ، ويحتمل أن يكون المعنى تتبعون أي في الاقتداء به ، و
الْكِتابَ
التوراة وهي تنهاهم عما هم عليه من هذه الصفة الذميمة .
وقوله تعالى :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
معناه : أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المردية لكم ؟
والعقل : الإدراك المانع من الخطأ مأخوذ منه عقال البعير ، أي يمنعه من التصرف ، ومنه المعقل أي موضع الامتناع .
وقوله تعالى :
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ
قال مقاتل : « معناه على طلب الآخرة » .
وقال غيره : المعنى استعينوا بالصبر عن الطاعات وعن الشهوات على نيل رضوان اللّه ، وبالصلاة على نيل الرضوان وحط الذنوب ، وعلى مصائب الدهر أيضا ، ومنه الحديث : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا كربه أمر فزع إلى الصلاة ، ومنه ما روي أن عبد اللّه بن عباس نعي إليه أخوه قثم ، وهو في سفر ، فاسترجع وتنحى عن الطريق وصلى ثم انصرف إلى راحلته ، وهو يقرأ
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ
.
وقال مجاهد : الصبر في هذه الآية الصوم ، ومنه قيل لرمضان شهر الصبر ، وخص الصوم والصلاة على هذا القول بالذكر لتناسبهما في أن الصيام يمنع الشهوات ويزهد في الدنيا ، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وتخشع . ويقرأ فيها القرآن الذي يذكر بالآخرة .
وقال قوم : « الصبر » على بابه ،
وَالصَّلاةِ
الدعاء ، وتجيء هذه الآية على هذا القول مشبهة لقوله تعالى :
إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ
[ الأنفال : 45 ] لأن الثبات هو الصبر ، وذكر اللّه هو الدعاء .
واختلف المتأولون في قوله تعالى :
وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ
على أي شيء يعود الضمير ؟ فقيل على
الصَّلاةِ
، وقيل على الاستعانة التي يقتضيها قوله
وَاسْتَعِينُوا
، وقيل على العبادة التي يتضمنها بالمعنى ذكر الصبر والصلاة .
وقالت فرقة : على إجابة محمد صلى اللّه عليه وسلم .
قال القاضي أبو محمد رحمه اللّه : وفي هذا ضعف ، لأنه لا دليل له من الآية عليه .
وقيل : يعود الضمير على الكعبة ، لأن الأمر بالصلاة إنما هو إليها .
قال القاضي أبو محمد رحمه اللّه : وهذا أضعف من الذي قبله .
و « كبيرة » معناه ثقيلة شاقة ، والخاشعون المتواضعون المخبتون ، والخشوع هيئة في النفس يظهر منها على الجوارح سكون وتواضع .
و
يَظُنُّونَ
في هذه الآية قال الجمهور : معناه يوقنون .
وحكى المهدوي وغيره : أن الظن هنا يصح أن يكون على بابه ، ويضمر في الكلام بذنوبهم ، فكأنهم يتوقعون لقاءه مذنبين .